الباحث القرآني

فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْآخِرِينَ
قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يقال: سلف يسلف، إذا تقدم ومضى، وسلف له عمل صالح، أي: تقدم، والسلف كل شيء قدمته من عمل صالح أو ولد، قرضا وقرض فهو سلف. وهذا وجه واحد، ويقال في جمعه الأسلاف، والسلف أيضًا من تقدم من آبائك وذوي قرابتك، واحدهم سالف، ومنه قول طفيل يرثي قومه: مَضَوْا سلَفًا قَصْدُ السبيلِ عَلَيْهم ... وصَرْفُ المنايا بالرَّجَالِ [سلف] [[كذا في الأصل، ورواية البيت (تقلب). انظر: "ديوانه" ص 40، "تهذيب اللغة" (سلف) 12/ 431، "الدر المصون" 6/ 104، "اللسان" (سلف) 9/ 159، "البحر المحيط" 8/ 23.]] وذكر الليث: سلُف بضم اللام يسلُفُ سُلُوفًا فهو سليف، أي تقدم [[انظر: "كتاب العين" (سلف) 7/ 258.]]، قال الفراء والزجاج: يقول جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 36، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 416.]]. وقال ابن عباس: يريد مضوا إلى النار [[ذكر ذلك السمرقندي في "تفسيره" 3/ 210 ونسبه لقتادة.]]. وقال مجاهد وقتادة: جعلناهم سلفًا لكفار أمة محمد -ﷺ- إلى النار [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 85، "الماوردي" 5/ 232، "الثعلبي" 10/ 87 ب.]]، وأكثر القراء قرؤوا ﴿سَلَفًا﴾ بالفتح، وهو جمع سالف كما ذكرنا. قال أبو علي: وفَعَل قد جاء بحروف يراد به الكثرة، وكأنه اسم من أسماء الجمع كقولهم: خادِم وخَدَم، وطالب وطَلَب، وحارِس وحرَس، وحكى أحمد بن يحيى: رائِح وَرَوح. وقرأ حمزة والكسائي (سُلُفًا) بالضم، وهو جمع سليف من سلُف بضم اللام [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 115.]]. ذكره الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 36، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 416.]]، وقال المبرد: سُلُف يمكن أن يكون جمع سَلَفٍ كقولك: أَسَد وأُسُد، ووثَن ووُثن، وزاد أبو علي: ومما لحقته هاء التأنيث، من هذا: خشبة وخشب، وبدنة وبدن [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 152، "الدر المصون" 6/ 104.]]. وقوله: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. قال ابن عباس ومقاتل: يريد عظة لمن بقي بعدهم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 85، "تفسير مقاتل" 3/ 798.]] وآية وعبرة، والمعنى: أن حال غيرهم من المشركين يقاس بحالهم ويجروا مجراهم إذا ماتوا على الطغيان. قال أبو علي: والمثل واحد يراد به الجمع، ومن ثم عطف على سلف، ويدلك على وقوعه أكثر من واحد. قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾ [النحل: 75]، فأوقع لفظ الإفراد على التثنية، وكذلك أفرد في موضع التثنية فيما أنشد سيبويه: وَسَاقِيَيْنِ مِثْلِ زَيْدٍ وجُعَلْ [[هذا صدر البيت وعجزه: سقبان ممشوقان مكنوزا العضل انظر: "الكتاب" 2/ 17، "شرح أبيات" سيبويه ص 95، "الحجة" 6/ 153.]] وقد جمع المثل في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ [الحشر: 21] وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38]، وأفرد في قوله [[انظر: "الحجة" 6/ 153.]]: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140].