الباحث القرآني

﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: 6 - 8]. قال ابن عباس: يريد أشد من قومك بطشًا [[ذكر ابن الجوزي أن المراد: قريش، ولم ينسبه، انظر: "زاد المسير" 7/ 303، وقال البغوي 7/ 206: أي: أقوى من قومك، وقال القرطبي: الكناية في ﴿مِنْهُمْ﴾ ترجع إلى المشركين المخاطبين بقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ فكنى عنهم بعد أن خاطبهم 16/ 63.]]، ويعني: بالأشد بطشًا الأولين الذين ذكر أنه أرسل فيهم الرسول فاستهزؤا به فأهلكهم الله، وهم كانوا أشد بطشًا من قريش. قال ابن عباس: يعني: أكبر عددًا وأظهر جَلدًا [[قال القرطبي 16/ 64: أقوى من هؤلاء المشركين في أبدانهم وأتباعهم. ولم ينسبه.]]، ونظم الكلام يوجب أن يكون التقدير: فأهلكناهم، يعني الأولين، فحذف مفعول الإهلاك لدلالة الكلام عليه: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ منتصب على الحال، وفيه تخويف لكفار مكة، والكناية في (منهم) تعود إلى المشركين الذين خاطبهم بقوله: (أفنضرب عنكم الذكر صفحًا)، كنى عنهم بعد أن خاطبهم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 63.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الكلبي: سنة الأولين ممن أهلك، وهو قول مجاهد [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 51، "تنوير المقباس" ص 489.]]. قال مقاتل: يعني: سنة الأولين في العقوبة حين كذبوا رسلهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 789.]]. وقال قتادة: عقوبة الأولين [["تفسير الطبري" 13/ 51 فقد أخرجه عن قتادة، ونسبه القرطبي لقتادة، انظر: "الجامع" 16/ 64.]]. وقال ابن عباس: يريد: وسبق ما أنزل الله في القرون الأولين قوم نوح وعاد وثمود [[لم أقف عليه، وكذا رسمها في الأصل، ولعل الصواب: (الأولى).]]، وعلى هذا معنى الآية: وسبق ما أنزلنا في إهلاكهم، وهو مَثَلٌ ضربناه لهم، وتقدير الكلام: مثل الأولين لهم. قال أهل المعاني [[لم أقف عليه.]]: ومضى مثل الأولين لهؤلاء الباقين، أي: أنهم قد سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم، فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي ما نزل بهم، فقد ضربنا لهم مثلهم كما قال: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الفرقان: 39]، وكقوله: {وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} إلى قوله: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: 45] والمعنى: سبق فيما أنزلنا إليك بشبه حال الكفار الماضية بحال هؤلاء في التكذيب، ولما أهلكوا هؤلاء بتكذيبهم، فعاقبة هؤلاء أيضًا الإهلاك لأنهم أشباه بعضهم لبعض، وأما قول المفسرين في تفسير قوله: (مثل الأولين) عقوبتهم وسنتهم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 51، "تفسير الثعلبي" 10/ 79 أ، "تفسير البغوي" 7/ 206، "تفسير الماوردي" 5/ 216.]]، فهو معنى وليس تفسير؛ لأن المعنى ذِكْر بيان ما حل بهم ليعتبر هؤلاء. ثم ذكر أن هؤلاء مع شركهم وكفرهم يقرون بما هو الحجة عليهم فقال:
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتائج.