الباحث القرآني

يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ دليل على القول الآخر على تأويل الذين آمنوا يقال لهم: ادخلوا الجنة، ويطاف عليهم. وقوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾ قال: تكرمون وتنعمون. قال الكلبي: تكرمون إكرامًا يبالغ فيه [[انظر: "تنوير المقباس" ص 494.]]. والحبرة المبالغة فيما وصف بجميل [[قال في "تهذيب اللغة" (حبر) 5/ 32 روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يخرج رجل من النار قد ذهب حِبْرُه وسِبْرُه". قال أبو عبيد قال الأصمعي: حِبْرُه وسِبْرُه: هو الجمالُ والبهاءُ. يقال فلان حَسَن الحبرِ والسِّبْرِ.]]، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الروم [آية: 15] ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾، قال مقاتل: بأيدي غلمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 802.]]. ﴿بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ قال الكلبي: بقصاع [[انظر: "تنوير المقباس" ص 494.]]، قال الليث: الصحيفة شبه قصعة مُسْلَنْطِحَة عريضة، والجمع الصحاف [[قال ابن سيده: (الصحفة: شبه قصعة مُسْلَنْطِحَةَ عريضة وهي تشبع الخمسة ونحوهم). انظر: "اللسان" (صحف) 9/ 187، وانظر: قول الليث في "كتاب العين" (صحف) 3/ 120، "تهذيب اللغة" (صحف) 4/ 254.]]. قال الأعشى: والمَكَاكِيكُ والصحَافُ من الفضـ ... ـضةِ والضامِراتُ تحت الرِّحالِ [[انظر: "ديوان" الأعشى ص 41، "تهذيب اللغة" (صحف) 4/ 254، "اللسان" (صحف) 9/ 187.]] قوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾، قال الفراء: الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له، وأنشد لعدي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 37، والبيت لعدي بن زيد بن حماد بن أيوب من زيد مناة بن تميم. انظر: "معاني الفراء" 3/ 37، "تهذيب اللغة" (كوب) 10/ 400، "الدر المصون" 6/ 106، "اللسان" (صفق) 10/ 203، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 114.]]: مُتَّكِئًا تُصْفَقُ أبوابُهُ ... يَسْعَى عَلَيْه العَبْدُ بالكُوبِ وقال أبو عبيدة: الأكواب الأباريق التي لا خراطم لها [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 206.]]. وقال أبو إسحاق: واحدها كوب وهو إناء مستدير لا عروة له [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 419.]]. قال ابن عباس: هي الأباريق التي ليس لها آذان [[لم أقف عليه.]]، وقال مقاتل: يعني الأكواب التي ليست لها عرا مدورة الرأس [[انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 238، "تفسير مقاتل" 3/ 802.]]. وقوله تعالى: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ وقرئت: ﴿تَشْتَهِيهِ﴾ بإثبات الهاء، قال المبرد: الأصل إثبات الهاء والحذف استخفاف، وهو حسن كثير، كما تقول: الذي ضربت زيد، والأصل ضربته، وإنما استخفوا في هذا الموضع حذف المفعول لأن (الذي) اسم، وضربت اسم الفاعل، والهاء المفعول، فلما اجتمع ذلك استخفوا الحذف، وكان المجيء بالهاء مع (ما) أحسن منه مع (الذي)؛ لأن (الذي) أطول من (ما)، ولأن (ما) مبهمة تقع للمؤنث والمذكر، والمجيء بالهاء يفصل بينهما، والذي والتي تنبيان عن أنفسهما فيستغنى عن الهاء، وفي هذا دليل على حسن قراءة من قرأ (تشتهيه) [[انظر: "الحجة" لابن خالويه ص 323، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 262، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 654، وهي قراءة: نافع وابن عامر وحفص عن عاصم. "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 120، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: ﴿تَشْتَهِي﴾ بغير هاء.]]. وقال أبو علي الفارسي: حذف هذه الهاء من الصلة في الحسن كإثباتها، إلا أن الحذف يرجح على الإثبات بأن ما كان من هذا النحو في التنزيل جاء على الحذف، من ذلك قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: 41] ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: 59] {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} [هود: 43] و ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: 69]. ويقوي الحذف من جهة القياس أنه اسم قد طال، والأسماء إذا طالت فقد يحذف منها كما حذفوا من اشهيباب، واحميرار، الياء لطول الاسم، وقد جاءت مثبتة في قوله: ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275] [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 158.]]. قوله تعالى: ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ قال الكسائي: يقال للشيء: يلذ بالكسر لَذَاذًا ولذاذة بفتح اللام فيهما، فإذا كنت أنت الفاعل كان فعلت منه مكسورًا، ويفعل مفتوحًا، تقول: لَذِذْتُ الشيء أَلَذُّه، مثل استلْذَذته [[انظر: "الصحاح" للجوهري (لذذ) 2/ 575، "اللسان" (لذذ) 3/ 506.]]. قال مقاتل [[قول مقاتل هذا غير موجود في "تفسيره" لهذه الآية 3/ 802.]]: وفيها ما تشتهي الأنفس من شيء وتلذ الأعين، أنه ما من شيء تشتهيه نفس أو استلذته عين إلا وهو في الجنة، وقد عبر الله بهذين اللفظين عن جميع نعيم أهل الجنة، فإنه ما من نعمة إلا وهي تصيب النفس أو العين يستحسن بالعين أو يستطاب بالنفس، ثم تمم هذه النعم بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لأنها لو انقطعت لم تطب، فإن الشيء إذا طاب بعضه [بناه] [[كذا رسمها وهي غير منقوطة.]]، فإذا دام كان أطيب له.