الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ كثرت الوجوه في هذا التفسير، فالأصح منها، والذي عليه أكثر أهل العلم قول مجاهد، قال: يقول إن كان لله ولد في قولكم، فأنا أول من عبد الله ووحده [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 595، "تفسير الطبري" 13/ 101، "الماوردي" 5/ 240 "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 119.]]، واختاره الزجاج فقال: إن كان للرحمن ولد في قولكم كما قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: 27] أي في قولكم، والله -عز وجل- لا شريك له [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 420.]]. والمعنى إن كنتم تزعمون أن للرحمن ولدًا جل وعز فأنا أول الموحدين؛ لأن من عبد الله واعترف أنه إلهه فقد دفع أن يكون له ولد، واختاره ابن قتيبة فقال: لما قال المشركون لله ولد ولم يرجعوا عن مقالتهم بما أنزل الله على رسوله من التبرؤ من ذلك، قال الله لرسوله: قل لهم إن كان للرحمن ولد أي عندكم وفي ادعائكم فأنا أول العابدين؛ أي: أول الموحدين، ومن وحد الله فقد عبده، ومن جعل له ولدًا وندًا فليس من العابدين، وإن اجتهد، ومنه قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] أي ليوحدون [[انظر: "مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة 2/ 124.]]، واختاره الأزهري أيضًا فقال: المعنى إن كان للرحمن ولد في دعواكم، فالله -عز وجل- واحد لا شريك له، وهو معبودي الذي لا ولد له ولا والد [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (عبد) 2/ 231.]]. الوجه الثاني: أن يكون ﴿الْعَابِدِينَ﴾ من عبد بمعنى غضب، قال ابن عباس: إن كان للرحمن ولد كما تزعمون فأنا أول من غضب للرحمن أن يقال: له ولد [[ذكر ذلك البغوي 7/ 223 ولم يشبه، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 120.]] وأنشد: متى ما يَشَأ ذُو الوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَه ... وَيعْبَدْ عليه لا محالَة ظَالِما [[لم أقف على قائل هذا البيت، والشاهد فيه قوله: ويعبد عليه: أي يغضب عليه. وقد استشهد ابن جرير في "تفسيره" 13/ 102 بالبيت نفسه. وكذلك استشهد به ابن عطية 14/ 278، وكذلك استشهد به السمين الحلبي في "الدر المصون" 6/ 108 ونسبه محققو "الدر" للمرقش الأصغر. انظر: "المفضليات" ص 502.]] قال: يريد وغضب، وهذا صحيح في اللغة، قال النضر: العبد: طول الغضب [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 238.]]. وروى أبو عبيد عن الفراء: عَبَدَ عليه وأحِنَ، أي: غضب [[انظر: "اللسان" (عبد) 2/ 275.]]، والعَبَد يكون بمعنى الأنف، ومنه قول الفرزدق: وأَعْبَدُ أَنْ أهْجُو كُلَيْبًا بِدَارِم [[هذا عجز بيت، وصدره: أولئك قوم إن هجوني هجوتهم والشاهد قوله: أعبد. أي آنف، وقد ورد البيت في "اللسان" (عبد) 3/ 275، وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 206، "المحتسب" لابن جني 2/ 258، "الدر المصون" 6/ 108، "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 238.]] أي: آنف [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 238 وهي كذا في الأصل ولعله سقط لفظ (قال).]]، ابن الأعرابي في قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي الغضاب، وهذا قول أبي عبيدة والمبرد في (العابدين) هاهنا: أنه معنى الآنفين ولكن (إن) عندهم قوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ بمعنى: (ما) قالوا: ومعنى الآية: ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين أي: الآنفين مما قلتم والمنكرين له. قال أبو عبيدة: ومجاز الفاء في أنا مجاز الواو [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 206.]]. وقال الكسائي: يقال: رجل عابِد وعَبِدُ، وآنِف وأنِفُ. [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230، فقد نقل قول الكسائي.]] وقال ابن قتيبة: يقال عَبِدتُ من كذا أعبدُ عَبَدًا [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 401.]]، وأكثر ما يأتي الأسماء من فَعِلَ يفعل على فَعَل كالوجل والفزع، وربما يأتي عليها نحو: صدٍ صاد، وكذلك عبد وعابد. وذهب قوم إلى أن (إن) بمعنى: (ما)، و (العابدين) من العبادة وهو قول الكلبي [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230 فقد نقل قول الكلبي.]] ومقاتل، والمعنى: ما كان للرحمن ولد [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 805.]] فأنا أول العابدين، يعني: أول الموحدين من أهل مكة، واختاره ابن الأنباري فقال: معناه: ما كان للرحمن ولد، والوقف على الولد، ثم تبدأ فتقول: فأنا أول العابدين له، على أنه لا ولد له [[انظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 886.]]، والوقف على العابدين تام. وهذا قول الحسن وقتادة [[انظر: قول ابن الأنباري بنصه في "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 231، وكذلك قولي الحسن وقتادة. وانظر: "المكتفى" للداني ص 511.]]. وفي الآية قول آخر ذكره السدي فقال: قال الله تعالى لمحمد -ﷺ-: قل لهم إن كان للرحمن ولد كما تقولون، لكنت أول من يعبده ويطيعه [[انظر: قول السدي في "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230، "المكتفي" للداني ص 511.]]، أي: إن كان له ولد فأنا أول من عبده بأن له ولدا، ولكن لا ولد له، ومعنى هذا القول: لو كان له ولد لعبدته، كما تقول: لو دعت الحكمة إلى عبادة غير الله لعبدته ولكنها لا تدعو إلى عبادة غيره، كما تقول: لو دل الدليل لقبلت به، ولكنه لا يدل، فهذا تحقيق لنفي الولد. وقول آخر في الآية يروى عن ابن عيينة أنه سئل عن هذه الآية فقال: يقول فكما أني لست أول من عبد الله، فكذلك ليس لله ولد [[انظر: "تهذيب اللغة" (عبد) 2/ 230، "تفسير الوسيط" 4/ 83.]]، وهذا كما تقول إن كنت [كاذبًا]، [[كذا في الأصل، وفي "الوسيط" 4/ 83 بلفظ (كاتباً) وهو الصواب.]] فأنا حاسب، تريد لست أنت كذا ولا أنا، وتأويل الآية ليس للرحمن ولد كما لست أنا أول من عبد الرحمن، فقد عبده قبلي ناس، هذا وجه ما ذكره ابن عيينة، وهو حسن صحيح في معنى الآية.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.