الباحث القرآني

وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ذكر المفسرون في هذه الآية قولين: أحدهما: إن الذين يدعون من دونه هم عزير وعيسى والملائكة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والكلبي، وقول مجاهد ومقاتل [[انظر: "تفسير مجاهد" 596. وأخرجه الطبري 13/ 105 عن مجاهد، وانظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 92 أ، "تفسير مقاتل" 3/ 806، "زاد المسير" 7/ 334.]]، وقال ابن عباس: يريد أن الملائكة لا تشفع إلا لمن شهد بالحق [[لم أقف عليه.]]، وقال مجاهد: لا يشفع عيسى ولا عزير ولا الملائكة إلا من شهد بالحق [["تفسير مجاهد" ص 596، وأخرجه الطبري 13/ 105 عن مجاهد.]]. وقال مقاتل: قال النضر بن الحرث ونفرٌ معه: إن كان ما يقول محمد حق، فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد، فأنزل الله هذه الآية، يقول: لا تقدر الملائكة الذين تعبدونهم لأن يشفعوا لأحد، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 806، "تفسير الماوردي" 5/ 242، "زاد المسير" 7/ 233.]] والمعنى على هذا القول: لا يشفع هؤلاء إلا لمن شهد بالحق، فأضمر اللام [[انظر: "الدر المصون" 6/ 108، "تفسير ابن عطية" 14/ 281.]] أو يقال التقدير: إلا شفاعة من شهد بالحق فحذف المضاف، وهذا على لغة من يعدي الشفاعة بغير لام فيقول: شفعت فلانًا، بمعنى شفعت له، كما تقول: كلمته وكلمت له، ونصحته ونصحت له. القول الثاني: أن الذين يدعون من دونه كل معبود من دون الله، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ عزير وعيسى والملائكة، وهذا قول قتادة قال: إنهم عبدوه من دون الله ولهم شفاعة عند الله ومنزلة [[أخرج ذلك الطبري 13/ 105 عن قتادة، وانظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 92 ب، "زاد المسير" 7/ 334.]]، ومعنى ﴿مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: من شهد أنه لا إله إلا الله وحده وأن محمدًا عبده ورسوله [[ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" عن ابن عباس. انظر: 16/ 122.]]، وقال مقاتل: إلا من شهد بالتوحيد من بني آدم [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 806]]. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله واحد لا شريك له فيشفعون لهؤلاء، وفي هذا دليل على أنه لا تتحقق الشهادة بالعلم، وأجمع أصحابنا أن شرط الإيمان طمأنينة القلب على ما أعهده بحيث لا يتشكك إذا شكك، ولا يضطرب إذا حرك لقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني شهدوا على علم وبصيرة [[ذكر ذلك في تفسير "الوسيط" 4/ 84.]]، قال إبراهيم: يشهد وهو يعلم أنك كذلك، قال مجاهد: يعلمون أن الله ربهم [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 596، "تفسير الطبري" 13/ 105.]].