الباحث القرآني

وَقِیلِهِۦ یَـٰرَبِّ إِنَّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ قَوۡمࣱ لَّا یُؤۡمِنُونَ
﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال ابن عباس: شكا إلى ربه تخلف قومه عن الإيمان [[أخرج ذلك الطبري 13/ 106 عن قتادة. وانظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 92 ب من غير نسبة، ونسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 334 لابن عباس.]]، واختلفوا في انتصاب ﴿وَقِيلِهِ﴾ فذكر الأخفش والفراء فيه قولين: أحدهما: أنه نصب على المصدر بتقدير، وقال ﴿وَقِيلِهِ﴾ وشكا شكواه إلى ربه، يعني: النبي -ﷺ- فانتصب ﴿وَقِيلِهِ﴾ بإضمار قال. والثاني: أنه عطف على ما تقدم من قوله: إنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 38، ولم أجده في "معاني الأخفش"، وانظر: "الدر المصون" 6/ 109.]]. وقال أبو إسحاق: والذي أختاره أنا أن يكون نصبًا على معنى: وعنده علم الساعة، ويعلم قيله [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 421.]]، وشرح أبو علي هذا القول فقال: نصب قيله على الحمل على موضع [...] [[كذا في الأصل وقد سقط لفظ [﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ لأن]، انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 160.]] الساعة مفعول بها وليست بظرف والمصدر مضاف إلى المفعول به ومثل ذلك قوله: قد كُنْتُ دَايَنْت به حَسَّانَا ... مَخَافَةَ الإفْلاسِ واللّيَانَا [[الرجز لرؤية بن العجاج، انظر: "ديوانه" ص 187، "الكتاب" 1/ 191، "الحجة" لأبي علي 6/ 160، وداينت: من المداينة وهي البيع بالدين، بها أي بالإبل، وحسان: اسم رجل، والليان: مصدر لويته بالدين لياً ولياناً إذا مطلته، يقول: داين بالإبل حسان لأنه رجل مليء لا يماطل مخافة أن يداين غير حسان ممن ليس بمليء فيماطل لإفلاسه، انظر: "الكتاب" 1/ 191.]] وكما أن الليان محمول على ما أضيف إليه المصدر من المفعول به، كذلك وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ لما كان معناه يعلم الساعة حملت ﴿وَقِيلِهِ﴾ على ذلك، قال: ويجوز أن يكون حمله على: يقول قيله، فيدل انتصاب المصدر على فعله، وكذلك قول كعب: يَسْعَى الوشَاةُ حَواليها وقِيلِهم ... إنَّك يا ابْن أبي سَلْمَى لَمَقْتُولُ [[البيت لكعب بن زهير في "ديوانه" ص 19 من قصيدته المشهورة بالبردة، وانظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 160، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 124.]] وقرأ عاصم وحمزة: وقيله بالجر، قال الأخفش والفراء والزجاج: الجر على قوله: وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب [["الحجة" 6/ 160، "معاني القرآن" للفراء 3/ 38، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 421، "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 123.]]، والاختيار القراءة الأولى [[انظر: "كتاب السبعة" لابن مجاهد ص 589، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 262، "الحجة في القرءات السبع" لابن خالويه ص 323.]]، وهو الموافق لما ذكره المفسرون. قال ابن عباس في تقدير الآية: أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله يا رب، ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 3/ 807، وذكر هذا المعنى بغير نسبة: البغوي 7/ 224، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 334.]]. وقال المبرد: العطف على المنصوب حَسَن [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 123، "الدر المصون" 6/ 109.]]، وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور، يجوز ذلك فيه على قبح؛ لأنه لا يفصل بينه وبين عامله إلا في ضرورة، ومعنى النصب: أنا لا نسمع قيله، وهو معطوف على منصوب قد تباعد منه، وكان حسنًا في المنصوب، ولما كان معنى الجر: وعنده علم الساعة وعلم قيله، فتح لما وصفنا، وقرأ ناس من غير السبعة: وقيله يا رب، بالرفع. وقال أبو إسحاق: الرفع على معنى: وقيله هذا القول قول يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 421، "الحجة" 6/ 160.]]. قال أبو علي: الرفع يحتمل ضربين: أحدهما: أن يجعل الخبر، وقيله يا رب مسموع ومتقبل، فيا رب منصوب الموضع بقيله المذكورة، وعلى القول الآخر بقيل المضمر وهو من صلته، ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع أن يحذف بعض الموصول، ويبقى بعضه، لأن حذف القول [قد كثر] [[كذا في الأصل وفي "الحجة" (قد أضمر).]] حتى صار بمنزلة المذكور، وقد يحتمل بيت كعب الرفع على هذين الوجهين [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 161.]]، والقيل مصدر كالقول، ومنه قول النبي -ﷺ-: "نهى عن قيل وقال" [[أخرجه الجاري عن المغيرة: "إن الله كره لكم ثلاثاً .. " الحديث، كتاب الزكاة باب قول الله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ 2/ 131، وفي الأدب باب عقوق == الوالدين 7/ 70، وفي الرقاق باب ما يكره من قيل وقال 7/ 183، وفي الاعتصام باب ما يكره من كثرة السؤال 8/ 142، وأخرجه الإمام مسلم في كتاب الأقضية باب النهي عن كثرة المسائل 2/ 1430، وأخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة 2/ 327، 360، 367، وعن المغيرة 4/ 246، 249، 250.]]. قال أبو عبيد: يقال قلت قولاً، قال وسمعت الكسائي يقول في قراءة عبد الله ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: 34] قال الفراء: القال في معني القول، مثل العيب والعاب [[انظر: هذه الأقوال في "تهذيب اللغة" للأزهري من قوله: ومنه قول النبي .. (لقى) 9/ 304، "اللسان" (قول) 11/ 573.]]. وقال الليث: تقول العرب كثير فيه: القيل والقال [[انظر: "كتاب العين" (قول) 5/ 213.]]، أبو زيد: يقال: ما أحسن قيلك وقولك ومقالتك ومقالك وقالك، خمسة أوجه [[انظر: قولي الليث وأبي زيد في "تهذيب اللغة" (لقى) 9/ 305.]]. قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ قال ابن عباس: أمسك عنهم، وقال مقاتل: أعرض عنهم وقيل سلام، اردد عليهم معروفًا [[أورد ذلك القرطبي 16/ 124 عن ابن عباس لكن بلفظ: أعرض عنهم، وانظر: "تفسير مقاتل" 3/ 807.]]. وقال ابن عباس: يريد مداراة حتى ينزل حكمي [[انظر: "تفسير الوسيط" ذكر ذلك عن عطاء 4/ 84.]]. قال المبرد: قال سيبويه: إنما معناه المتاركة كما تقول: سلام بسلام أي تركًا بترك [[انظر: "الكتاب" 1/ 326.]]، وهذا كقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: 55] وقد مر. وقال الفراء: رفع (سلام) بضمير (عليكم) وما أشبهه، ولو كان: وقيل سلامًا، كان صوابًا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 38.]]. قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ قرئ: بالتاء والياء، فمعنى التاء أن الله تعالى أمر نبيه -ﷺ- أن يقول للمشركين: سلام عليكم ويقول لهم سلام فسوف تعلمون، ومن قرأ بالياء حمل على الغيبة التي هي (فاصفح عنهم .. فسوف يعلمون) [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 161، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 263.]] قال ابن عباس: وهذا وعيد وتهدد من الله تعالى. قال ابن عباس: وقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ منسوخ بالسيف [[ذكر ذلك ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" عن ابن عباس ص 455، وذكره ابن حزم في "الناسخ والمنسوخ" ولم ينسبه ص 55، وذكره من غير نسبة هبة الله بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" ص 158.]]. وقال مقاتل: نسخ السيف الإعراض والسلام [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 807.]]. وقال قتادة: أمر بالصفح عنهم ثم أمر بقتالهم [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة، انظر. "تفسيره" 13/ 107، ونسبه القرطبي لقتادة 16/ 124.]].