الباحث القرآني

فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ
قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ روى أنس بن مالك أن النبي -ﷺ- قال: "ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه ويرزق، وباب يدخل فيه عمله فإذا مات فقداه وبكيا عليه" [[أخرج ذلك الترمذي في سننه كتاب التفسير باب (46) ومن سورة الدخان، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة ويزيد بن إبان الرقاشي يضعفان في الحديث 5/ 380، وأخرجه الثعلبي في تفسيره عن أنس 10/ 96 ب، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" 8/ 327، والخطيب في "تاريخ بغداد" 11/ 212، وأخرجه أبو يعلى في مسنده عن أنس. انظر: 7/ 160، وأشار محقق المسند إلى ضعفه، وذكره أيضًا ابن حجر في "المطالب العالية" 3/ 369. وعزاه إلى أبي يعلى وقال إسناده: ضعيف، انظر: "المطالب العالية" 3/ 369.]] وتلا هذه الآية، قال: وذلك أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملًا صالحًا يبكي عليهم ولم يصعد لهم إلى السماء كلام طيب ولا عمل صالح فيبكي عليهم، وهذا قول جميع المفسرين ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل وقتادة، قالوا: لم تبك عليهم مصاعد أعمالهم على السماء، ولا مواضع سجودهم [[أخرج ذلك الطبري عنهم، انظر: تفسيره 13/ 125، و"تفسير مقاتل" 3/ 822، وكذا رسمها في الأصل ولعل المراد (إلى السماء).]] من الأرض. وقال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد، انظر: تفسيره 13/ 125، ونسبه ابن كثير لمجاهد، انظر: "تفسيره" 6/ 254، ونسبه في "الوسيط" لمجاهد، انظر: 4/ 90.]]، فقلت له: أتبكي؟ فقال: أو تعجب!! وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه فيها دوي كدوي النحل [[ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره 6/ 254، والسيوطي في "الدر المنثور"، وعزاه لعبد ابن حميد وأبو الشيخ، انظر: "الدر" 7/ 412.]]، وهذا قول ثان لأنه لم يخص موضعًا منهما بالبكاء كما خص الأولون. وذكر أهل المعاني في هذا قولين آخرين أحدهما: أن التقدير: أهل السماء والأرض، فحذف المضاف والمعنى: ما بكت عليهم الملائكة ولا المؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، والثاني: أن العرب تقول في هذا كالرجل العظيم الشأن، أظلمت له الشمس، وكسف القمر لفقده، وبكته الريح والبرق والسماء والأرض، يريدون المبالغة في وصف المصيبة وأنها قد شملت وعمت، وليس ذلك بكذب لأنهم جميعًا متواطئون عليه، والسامع له يعرف مذهب القائل فيه ونيتهم في قولهم: أظلمت الشمس، كادت تظلم، وكذلك في سائر الألفاظ التي يقصدون بها التعظيم والاستقصاء في الصفة. ومعنى الآية: أن الله تعالى حين أهلك فرعون وقومه وأورث منازلهم وجناتهم غيرهم لم يبك عليهم باك ولم يجزع جازع ولم يوجد لهم فَقْد، ولو كانت السماء والأرض ممن تبكي لم تبك على هؤلاء لاستحقاقهم العقوبة والهلاك، والقولان: ذكرهما ابن قتيبة [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 126، و"معاني القرآن" للزجاج 6/ 405، و"تفسير الماوردي" 5/ 252، و"زاد المسير" 7/ 345، و"الزاهر" لابن الأنباري 1/ 284.]] وغيره. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ لم يُنْظَروا حين أخْذِهم لتوبة ولا لغيرها قاله: ابن عباس وغيره [[ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 232 ولم ينسبه، وذكره في "الوسيط" ولم ينسبه، انظر: 4/ 90.]].