الباحث القرآني

ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ
﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ قال مقاتل: يعني: أبا جهل، وذلك أن مالكًا خازن جهنم يضربه ضربة على رأسه بمَقْمع من حديد فيثقب رأسه عن دماغه فيجري دماغه على جسده ثم يصب الملك فيه ماء حميمًا قد انتهى حَرُّه فيقع في بطنه، فيقول الملك: ذق العذاب [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 825.]] فذلك قوله: ﴿ذُقْ﴾ ونحو هذه الآية قوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: 19] قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ قال عكرمة والكلبي: التقى النبي -ﷺ- وأبو جهل فقال له النبي -ﷺ-: "إن الله أمرني أن أقول لك ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ " [القيامة: 34] "فقال: يا محمد بأي شيء تهددني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا إني لمن أعز هذا الوادي وأكرمه على قومه، فقتله الله يوم بدر وأذله وعيره بكلمته وأنزل هذه الآية [[انظر: "تنوير المقباس" ص 498، و"الدر المنثور" 7/ 418، وأخرج الطبري نحوه عن قتادة 13/ 134، ونسبه القرطبي لعكرمة، انظر: "الجامع" 16/ 151.]]، وهذا قول أهل التفسير قالوا: إنه كان يقول أنا أعز أهل الوادي وأكرمهم، فيقول له الملك: ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم، يوبخه ويصغره [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 98 أ، و"تفسير الماوردي" 5/ 258، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 151، و"تفسير الوسيط" 4/ 92.]]. قال أبو إسحاق: المعنى: ذق هذا العذاب، إنك أنت القائل: أنا العزيز الكريم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 428.]]. وقال أبو علي الفارسي: المعنى: إنك أنت العزيز الكريم في زعمك وفيما تقوله، فأجري ذلك على حسب ما كان يذكره أو يُذْكَر به ومثله قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: 62] أين شركائي فيما تفترون وتدعون، وهذا كما روي أن زهرة اليمن [[لم أقف على ترجمته.]] قال في جرير: أَبْلِغْ كُلَيْبُا وأَبْلِغْ عَنْكَ شَاعِرهَا ... أَنَّي الأَعَزُّ وأَنِي زَهْرةُ الْيَمَنِ [[ورد هذا البيت في "الحجة" لأبي علي 6/ 467، و"المسائل الحلبيات" ص 82، و"الخصائص" لابن جني 2/ 463، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 405، و"الدر المصون" 6/ 118، و"تفسير ابن عطية" 14/ 300.]] فأجابه جرير: أَلَمْ تَكُنْ في وُسُومٍ قد وَسَمْتُ بها ... مَنْ حَانَ مَوْعِظَةً يا زَهْرةَ اليَمَنِ [[انظر: "ديوان جرير" ص 430، حان: هلك، الوسوم: جمع وسم وهو أثر الكي ويريد به هنا أذى هجائه، والشاهد قوله: (يا زهرة اليمن) أي: يا من قال إني زهرة اليمن، ولست عندي كذلك، والذي في الديوان: يا حارث اليمن.]] أي: زهرة اليمن فيما تقول، وكذلك أبو جهل كان يقول إنه أعز الوادي وأمنعهم. فعلى ما كان يقول جاء في التنزيل حكايته، ونحو هذا قال صاحب النظم قال: هذا على وجه المعارضة والتبكيت، ودلالة على أنه أخبر أنه قال في الخطاب أنا العزيز الكريم، وهو شبيه بقول الكفار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] كأنه لما قال لهم أنزل عليَّ الذكرُ من الله عارضوه بهذا كالمستهزئين به، كذلك يستهزأ بأبي جهل ويوبخ بما زعم وادَّعى به، وليس كذلك. وقال بعض أهل المعاني: هذا على معنى النقيض، كأنه قيل إنك أنت الذليل المهان [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 291.]]، وهذا كما خاطب قوم شعيبًا: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87] يعنون السفيه الجاهل، وقد مر، وقرأه العامة (إنك) بكسر الألف على الابتداء، وقرأ الكسائي بالفتح على معنى: ذق بأنك، أي: هذا القول الذي قلته في الدنيا، قاله الفراء وأبو علي [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 43، و"الحجة" لأبي علي 6/ 167.]]، وعلى هذا الواقع عليه يضمر على تأويل: ذق العذاب، وكذلك هو في قراءة العامة [[انظر: كتاب "السبعة في القراءات" لابن مجاهد ص 593، والكشف عن وجوه القراءات لمكي 2/ 2658، و"تحبير التيسير" لابن الجزري ص 179، و"الدر المصون" 6/ 118.]]. وقال صاحب النظم: من فتح الهمزة كان قوله: ﴿ذُقْ﴾ واقعًا على تأويل: ذق، وقال هذا القول وجزاؤه [[يظهر أن فيه سقطاً ولكن كتاب "نظم القرآن" مفقودًا، ولم أتوصل إلى النص فيما لدي من مراجع.]]، وقال مقاتل: فلما ذاق العذاب قال الملك الخازن: إن هذا العذاب ما كنتم به تمترون يعني: تشكون في الدنيا أنه غير كائن والمعنى تكذبون به [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 825.]]، كقوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: 61] وقد مر قبل.