الباحث القرآني

أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ذكر المفسرون في هذا قولين: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر، ونحو هذا قال الكلبي [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 10 ب، و"تفسير الماوردي" 5/ 265، و"تفسير البغوي" 7/ 245، و"تفسير الوسيط" 4/ 99، و"تنوير المقباس" ص 501.]] عنه، وقال مقاتل: نزلت في الحارث [[هو: الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم السهمي كان أحد المستهزئين الذين يؤذون النبي -ﷺ-، وهو ابن العيطلة رهط أمه، وكان يأخذ حجرًا يعبده فإذا رأى أحسن منه ترك الأول وعبد الثاني، أكل حوتًا مملوحًا فلم يزل يشرب الماء حتى مات. انظر: "الكامل" لابن الأثير 2/ 48.]] بن قيس، وذلك أنه هوي الأوثان فعبدها [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 839، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 167.]]، القول الثاني: قال قتادة: هو الكافر لا يهوى شيئاً إلا ركبه لا يخاف الله [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: تفسيره 13/ 150، و"تفسير البغوي" 7/ 245.]]، وهو قول الحسن ورواية عطاء عن ابن عباس قال: إذا هوي شيئًا هو لله سُخْطٌ اتبعه وترك ما لله فيه رضًا [[انظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 281، و"تفسير البغوي" 7/ 245، و"تفسير الوسيط" 4/ 99، و"تفسير الشوكاني" 5/ 8.]] قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ قال ابن عباس: يريد علم ما يكون قبل أن يخلقه [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 151، و"تفسير الماوردي" 5/ 265، و"تفسير البغوي" 7/ 245 ولم ينسبه.]]، وقال سعيد بن جبير ومقاتل: على علمه فيه [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 840، و"تفسير الوسيط" 4/ 99 عن سعيد بن جبير.]]، قال أبو إسحاق: أي: على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 433.]]. قولى تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ وقال ابن عباس: يريد بالأمر الذي سبق في أم [[لم أقف عليه.]] الكتاب، وقال مقاتل: طبع على سمعه فلم يسمع الهدى، وعلى قلبه فلم يعقل الهدى [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 840.]]. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ قالا: يعني: ظلمة فلا يبصر الهدى [[انظر: "تنوير المقباس" ص 551، و"تفسير مقاتل" 3/ 840.]]، ونظير هذه الآية ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: 7] الآية، وليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن الله تعالى صرح بمنعه إياهم عن الهدى حين أخبر أنه ختم على قلب هذا الكافر وسمعه [[قال ابن جرير: في قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وخذله عن محجة الطريق وسبيل الرشاد في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية. ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ يقول تعالى ذكره: فمن يوقفه لإصابة الحق وإبصار محجة الرشد بعد إضلال الله إياه ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس فتعلموا أن من فعل الله به ما وصفنا فلن يهتدي أبدًا، ولن يجد لنفسه وليًّا مرشدًا، 13/ 150، 151.]] ثم أكد ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ قال مقاتل: بعد إذ أضله الله، والتقدير: بعد إضلال الله ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أيها المنكرون قدرة الله وتوحيده فتعرفون أنه قادر على ما يشاء [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 840.]].