الباحث القرآني

وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد وفي خلق أنفسكم من تراب ثم من نطفة إلى أن يصير إنسانًا، و (بث) تفرق على الأرض من جميع ما خلق، واختلاف ذلك من المشي على رجلين وعلى أربع وعلى البطن، آيات ودلالات على توحيد مَنْ خلقها (لقوم يوقنون) أنه لا إله غيره [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 835، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس ومقاتل. انظر: "تفسير الوسيط" 4/ 94.]]. وجاز الرفع في قوله: (آيات) من وجهين ذكرهما الزجاج والمبرد وأبو علي [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 431، و"المقتضب" للمبرد 4/ 371، و"الحجة" لأبي علي 6/ 169.]]: أحدهما: العطف على موضع (أن) وما عمل فيه؛ لأن موضعها رفع بالابتداء، فيحمل الرفع فيه على الموضع كما تقول: إن زيدًا منطلق وعمرو، وإن زيدًا أخوك وخالد و ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 3] لأن معنى قوله: ﴿أن الله بريء﴾ هو الله بريء، وهذا نظير قولك: لست بقائم ولا قاعد، أو لست بجبان ولا بخيلاً، عطف الثاني على موضع الباء. والوجه الآخر: أن يكون قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ مستأنف، ويكون الكلام جملة معطوفة على جملة كما تقول: إن زيدًا منطلق وعمرو خارج، جعلت قولك: عمرو خارج، كلامًا آخر، كما تقول: زيد في الدار وأخرج غدًا إلى بلد كذا، فإنما حدث بحديثين اثنين، ووصلت أحدهما بالآخر بالواو. وهذا الوجه هو اختيار أبي الحسن، قال: لأنه قد صار على كلام آخر نحو: إن في الدار زيدًا، وفي البيت عمرو؛ لأنك إنما تعطف الكلام كله على الكلام كله [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 169، و"إعراب القرآن" للنحاس 4/ 140، ولم أقف عليه في "معاني القرآن" للأخفش.]]. وهذا الوجه أيضًا قول الفراء قال: الرفع على الاستئناف بعد (أن)؛ يقول العرب: إن لي عليك مالا وعلى أخيك، ما ينصبون الثاني ويرفعونه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 45. بلفظ (الرفع على الاستئناف فيما بعد أن).]]، فيكون قوله "آيات" على هذا الوجه مرتفعًا بالظرف على قول من رأى الرفع بالظرف، أو بالابتداء في قول من لم ير الرفع بالظرف، وقرأ حمزة والكسائي (آيات) وكذلك ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾ كسرا فيها وهو في موضع نصب على النسق على أن قوله ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ على معنى وإن في خلقكم آيات، ويقوي هذه القراءة أنها في قراءة عبد الله وأُبي "لآيات" ودخول اللام يدل على أن الكلام محمول على (أن)، وإذا كان محمولاً عليها حَسُن النصب على ما قرأ حمزة، وصار كل موضع من ذلك كأن (أن) مذكورة فيه بدخول اللام؛ لأن هذه اللام إنما تدخل على خبر (أن) أو على اسمها، ولا اختلاف في جواز هذه القراءة وحسنها في قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ﴾، ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾: فإن فيه عطفًا على عاملين مختلفين، وذلك أنه عطف بحرف واحد وهو الواو في قوله (واختلاف الليل) على عاملين أحدهما: الجار الذي هو في قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ والآخر: "إن" في قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بعطف آيات على (إن) بهذه الواو وحدها، وسيبويه وكثير من النحويين لا يجيزونه، ووجه جواز ذلك هاهنا أن يقدر (في وأن) في قوله: