الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ قال صاحب النظم: يقال: إن قوله (أرأيتم) نظم وضع للسؤال والاستفتاء وقيل للتنبيه، فلذلك لا يقتضي مفعولاً كما قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [العلق: 13] وقد تقدَّم الكلام في هذا. وقال أبو علي: الاستفهام الذي يقع موقعَ المفعول الثاني محذوف الكلام بالمفعول الأول، وكان التقدير: أتأمنون عقوبة الله أو ألا تخشون انتقامه [[انظر: "المسائل الحلبيات" لأبي علي ص 77.]]، ومثله من غير حذف المفعول الثاني قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ﴾ [فصلت: 52]، وقوله. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ﴾ [القصص: 71] فالاستفهام في الآيتين هو المفعول الثاني لأرأيتم؛ لأنه بمعنى أخبروني، هذا هو الكلام وليس ما ذكره صاحب النظم بشيء. قوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ يعني القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد عبد الله بن سلام، ونحو هذا روى الكلبي عنه أنه الشاهد من بني إسرائيل عبد الله بن سلام، وهو قول مجاهد وقتادة ومقاتل والضحاك وابن زيد والحسن [[انظر: أقوال هؤلاء في "تفسير الطبري" 13/ 2/ 10، 11، و"تفسير الماوردي" 5/ 273، و"تفسير مقاتل" 4/ 17، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 188، و"تنوير المقباس" ص 503، و"البحر المحيط" 8/ 57.]]، وبه قال من الصحابة عوف بن مالك الأشجعي وسعد بن أبي وقاص. ويؤكد ذلك ما روي في حديث مقتل عثمان أن عبد الله أتاه لينصره فخرج إلى الناس وقال: إنه قد نزل في آيات من كتاب الله نزلت فيَّ، وشهد من بني إسرائيل على مثله [[أخرج ذلك الترمذي في كتاب التفسير باب 47، ومن سورة الأحقاف 5/ 381. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.]]، وذكر كلامًا طويلاً. قوله: ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد على ما جئتكم به [[لم أقف عليه.]]، قال صاحب النظم: ليس لمثل هاهنا معنًى مقصود إليه، هو فصل وصلة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 189، و"تفسير الوسيط" 4/ 104.]] كقوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 137] وتأويله: وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه، أي على أنه من عند الله، وقال أبو إسحاق: الأجود أن يكون (على مثله) على مثل شهادة النبي -ﷺ- [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 440.]]. قوله: (فَآمَنَ) يعني الشاهد وهو ابن سلام ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عن الإيمان فلم تؤمنوا، واختلفوا في تقدير جواب قوله: (إن كان من عند الله) فقال صاحب النظم: جوابه محذوف على تقدير: أليس قد ظلمتم [[انظر: "التبيان في إعراب القرآن" للعكبري 2/ 1155، و"زاد المسير" 7/ 374، و"تفسير الوسيط" 4/ 105.]] فكان قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ دليلاً على هذا الجواب. وقال الزجاج: تقديره: فآمن واستكبرتم أتؤمنون [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 440.]]، وقال غيره فآمن واستكبرتم أفما تهلكون [[ذكر ذلك الماوردي في تفسيره ونسبه لمذكور 5/ 274، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 374، وذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 57.]]، وقال الحسن: جوابه من أضل منكم [[ذكر ذلك الماوردي في تفسيره 5/ 274، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 374، وأبو حيان 8/ 57، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 105.]]، ووجه تأويل الآية: أخبروني ماذا تقولون إن كان القرآن حقًا من عند الله، وشهد على ذلك عالم بني إسرائيل وآمن به وكفرتم واستكبرتم ألستم تستحقون العقاب، وأنكر قوم منهم الشعبي ومسروق أن يكون الشاهد عبد الله بن سلام، وقالوا: إن إسلامه كان بالمدينة قبل وفاة رسول الله -ﷺ- بعامين، وآل ﴿حم﴾ نزل بمكة [[أخرج ذلك الطبري عن الشعبي ومسروق. انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 9، وذكره الماوردي في "تفسيره" 5/ 273، والبغوي في "تفسيره" 7/ 255. وهذا هو الوجه الذي رجحه ابن جرير الطبري قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل لأن قوله ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش واحتجاجًا عليهم لنبيه -ﷺ- وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر فتوجه هذه الآية أنها نزلت فيهم .. 13/ 2/ 12.]]،ثم لم يأت للآية بوجه من التأويل صحيح غير الإنكار، على أن ابن سيرين قد قال في هذه الآية: كانت تنزل الآية فيؤمر أن توضع في سورة كذا، يعني: أن هذه الآية يجوز أن تكون نازلة بالمدينة وأمر أن توضع في سورة مكية [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 6/ 444، وتفسير الفخر الرازي 28/ 10، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 188.]]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد قريظة والنضير [[لم أقف عليه.]]، وقال مقاتل: يعني اليهود [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19.]]، قال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أن هؤلاء المعاندين خاصة لا يؤمنون بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: قد جعل جزاءهم على كفرهم بعد ما تبين لهم الهدى، مَدَّهم في الضلالة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 440.]].