الباحث القرآني

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ قد تقدَّم الكلامُ في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت [آية: 30] ولقمان [آية: 14]. قوله: ﴿إِحْسَانًا﴾ قال مقاتل: برًّا [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19، 20.]] وقرئ (إحسانًا) والإحسان خلاف الإساءة، والحسن خلاف القبح، فمن قال (إحسانًا) فحجته قوله في سورة بني إسرائيل: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23] لم يختلفوا فيه، وانتصابه على المصدر، وذلك أن معنى قوله (ووصينا الإنسان): أمرناه بالإحسان أي ليأت الإحسان إليهما دون الإساءة، ولا يجوز أن يكون انتصابه بوصينا؛ لأن وصينا قد استوفى مفعوليه أحدهما: الإنسان، والآخر: المتعلق بالباء، ومن قال (حُسْنًا) كان المعنى ليأت في أمرهما أمرًا ذا حسن أي: ليأت الحسن في شأنهما دون القبح، وحجته ما في العنكبوت ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [آية: 8] لم يختلف فيه، فأما الباء في قوله: ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ فإنها تتعلق بوصينا بدلالة قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: 151 - 153] ويجوز أن تتعلق بالإحسان، يدل على ذلك قوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: 100] وعلى هذا تعلقها بمضمر يفسره الإحسان؛ لأنه يجوز تقدمها على الموصول، ولكن يضمر ما يتعلق به، ويجعل الإحسان مفسرًا لذلك المضمر، كأنه قيل: ووصينا الإنسان أن يحسن بوالديه، ومثل هذا قول الراجز: كان جَزَائِي بالعَصا أَنْ أُجْلَدَا [[الرجز للعجاج. انظر: "المحتسب" 2/ 310، و"شرح الأبيات المشكلة الإعراب" لأبي علي ص 119، و"الحجة" 6/ 182.]] في قول من علق الباء بالجلد، ولم يعلقه بالجزاء [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 182.]] قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ وقرئ (كَرْهًا) [[وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو. انظر: "الحجة" 6/ 184.]] والكَرْه المصدر من كَرِهْتُ الشيء أَكْرَهُهُ، والكُرْه الاسم، كأنه الشيء المكروه، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216] فهذا [[فيه زيادة لفظ (بالضم). انظر: "الحجة" 6/ 184.]] وقال: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: 19] فهذا في موضع حال، ولم تقرأ بغير الفتح، فما كان مصدرًا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن، وما كان اسمًا نحو: ذهب به على كُرهٍ، كان الضم فيه أحسن، وقد قيل إنهما لغتان، فمن ذهب إلى ذلك جعلهما مثل الشَّرْبِ والشُّرْب، والضَّعف والضُّعف، والفَقْر والفُقْر، ومن غير المصادر الدَّفُّ والدُّف، والشَّهْد والشُّهْد [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 184.]]. قال المفسرون: حملته أمه في مشقة ووضعته في مشقة [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 15، و"تفسير الماوردي" 5/ 276، و"تفسير ابن كثير" 6/ 280.]]، وليس يريد ابتداء الحمل؛ لأن ذلك لا يكون مشقة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ [الأعراف: 189] يريد ابتداء الحمل، فإنها تحمل علقة ومضغة، فإذا ثقلت حينئذ حملته كرهًا، يدل على ما ذكرنا قول ابن عباس في هذه الآية: يريد ثقل عليها يعني الولد في حملها إياه، ووضعته كرها، يريد شدة الطلق [[ذكر ذلك في "الوسيط" عن ابن عباس، انظر: 4/ 107.]]. قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ يريد أن مدة حمله إلى أن فصل من الرضاع كانت هذا القدر، والمعنى: أنهما يقعان في ثلاثين شهرًا من ابتداء الحمل إلى أن يفصل. روى مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: حملته ستة أشهر والفصال حولين، وروى عكرمة عنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته إحدى وعشرين شهرًا، وإذا حملته ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهرًا [[ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وأخرجه ابن كثير في "تفسيره" عن عكرمة عن ابن عباس 6/ 281.]]. وهذه الآية نازلة في أبي بكر الصديق رضي الله عنه [[أورد ذلك المؤلف في "أسباب النزول" بدون سند ص 401، وذكره الثعلبي في تفسيره 10/ 110 ب، وكذلك ذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378.]]، روى ذلك الكلبي وعطاء عن ابن عباس. وهو قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.]] واختيار صاحب النظم قال: لأن الله تعالى قد وَقَّتَ الحمل والفصال هاهنا بتوقيت يعلم أنه قد ينقص ويزيد لاختلاف الناس في الولادة، فدل هذا على أنه مقصود به إنسان بعينه كان حمله وفصاله ثلاثين شهرًا، فيمكن أن يكون أبو بكر كان حمله وفصاله هذا القدر، ويدل على ما ذكرنا قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾، إلى آخر الآية، وقد علمنا أن كثيرًا ممن بلغ هذا المبلغ من المؤمنين وغيرهم لم يكن منه هذا القول، فثبت بذلك أن هذا في إنسان بعينه وهو الصديق رضي الله عنه [[وهو الذي ورد في سبب نزول الآية كما سبقت الإشارة إليه، وقد ذكر السيوطي في "الدر" أنه أخرجه ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما. انظر: "الدر المنثور" 7/ 441.]]، والآية من باب حذف المضاف لأن التقدير: ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهرًا. قال الأزهري المعنى: ومَدَى الحَمْل للمرأة منتهى الوقت الذي يفصل فيه الولد عن رضاعه ثلاثون شهرًا [[انظر: "تهذيب اللغة" (فصل) 12/ 193.]]، والكلام في معنى الفصال قد تقدم في سورة البقرة [آية: 123]. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ اختلفوا في معنى بلوغ الأشد هاهنا فروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد ثمان عشرة سنة، وذلك أن أبا بكر صحب رسول الله -ﷺ- وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي -ﷺ- ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في التجارة فنزلوا منزلا فيه سدرة فقعد رسول الله -ﷺ- في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله من الدين فقال له: مَنْ الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبي، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى بن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يكاد يفارق رسول الله -ﷺ- في أسفاره وحضوره فلما نبىء رسول الله -ﷺ- وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة فأسلم وصدق رسول الله -ﷺ- فلما بلغ أربعين سنة قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [[ذكر ذلك المؤلف في "أسباب النزول" ص 401، وأورده البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، وقال رواه عطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 194.]] الآية. وروى مجالد عن الشعبي قال: الأشد بلوغ الحلم، إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات [[أخرج ذلك الطبري في تفسيره 13/ 2/ 16، وذكره الماوردي ونسبه للشعبي 5/ 276.]]، وقال الحسن: هو بلوغ الأربعين [[ذكر ذلك الماوردي في "تفسيره" 5/ 277، والقرطبي في "الجامع" 16/ 194 عن الحسن.]] والأكثرون من أهل التفسير على أنه ثلاث وثلاثون سنة وهو قول مجاهد [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد وقتادة، انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 16، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20، ونص العبارة عنده: فهو في القوة والشدة من ثماني عثرة إلى الأربعين سنة.]] ورواه عن ابن عباس، وقول مقاتل وقتادة، واختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 52.]] والزجاج، قال الزجاج: الأكثر أن يكون ثلاثًا وثلاثين سنة؛ لأن الوقت الذي يكمل فيه الإنسان في بدنه وقوته واستحكام شبابه أن يبلغ بضعًا وثلاثين سنة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 442.]]، وقال الفراء: الأشبه بالصواب ثلاث وثلاثون؛ لأن الأربعين أقرب في النسق إلى ثلاث وثلاثين منها إلى ثمان عشرة، ألا ترى أنك تقول: أخذت عامة المال أو كله، فيكون أحسن من قولك: أخذت أقل المال أو كله، ومثله قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: 20] فبعض ذا قريب من بعض، فهذا سبيل كلام العرب [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 52.]]. قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ قال ابن عباس: دعا ربه فقال: اللهم ألهمني [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 25، و"ابن كثير" 6/ 282 فقد ذكرا المعني من غير نسبة.]] ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ يريد: هديتني وجعلتني مؤمنًا صديقًا، لا أشرك بك شيئًا. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ عن علي أنه قال: هذه الآية في أبي بكر أسلم أبواه جميعًا، ولم يجتمع لأحد من الصحابة المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده [[أخرج ذلك الثعلبي في "تفسيره" عن علي 10/ 110 ب، وذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 257، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، من غير نسبة، ونسبه القرطبي لعلي. انظر: 16/ 194، وكذلك نسبه في "الوسيط" لعلي. انظر: 4/ 107.]]. قال المفسرون: ووالداه أبو قحافة عثمان بن عمرو، وأم الخير بنت صخر بن عمرو [[ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 257، والقرطبي في "الجامع" 16/ 194.]]. وقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ قال ابن عباس: فأجابه الله تعالى فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم: بلال، وعامر بن فهيرة، ولم يَدَع شيئًا من الخير إلا أعانه الله عليه. وقوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ قال أبو إسحاق: معناه: اجعل ذريتي صالحين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 442.]]. قال ابن عباس: فلم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده [[ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 258، والقرطبي في "الجامع" 16/ 195، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 108.]]. وقال مقاتل: يعني واجعل أولادي مؤمنين، فأسلموا أجمعون [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.]]. قال المفسرون: ولم يكن أحد من الصحابة أسلم هو ووالده وبنوه وبناته إلا أبو بكر [[ذكر ذلك البغوي في تفسيره 7/ 258، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 378، والقرطبي في "الجامع" 16/ 195.]]. قال مقاتل: ثم قال أبو بكر: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من الشرك ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ يعني المخلصين بالتوحيد [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 20.]]. وقال عطاء: إني رجعت إلى كل ما تحب [[ذكر ذلك الماوردي في هذه الجملة عن ابن عباس بلفظ: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه 5/ 278، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" بنص عبارة المؤلف ولم ينسبه 7/ 378، وكذلك ذكره في "الوسيط" عن عطاء عن ابن عباس. انظر: 4/ 108.]] وأسلمت لك بقلبي ولساني.