الباحث القرآني

أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَیِّـَٔاتِهِمۡ فِیۤ أَصۡحَـٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِی كَانُوا۟ یُوعَدُونَ
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي أهل هذا القول: ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ قرئ بضم الياء على بناء الفعل للمفعول وقرئ بالنون المفتوحة، وكذلك ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾ وكلاهما في المعني واحد؛ لأن الفعل وإن كان مبنيًّا للمفعول فمعلوم أنه لله سبحانه، فبناؤه للمفعول في العلم بالفاعل كبنائه للفاعل كقوله: ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] والفعل معلوم أنه لله وإن بني للمفعول كقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 135] ووجه قول من قرأ بالنون أنه قدم تقدم قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ فكذلك يُتَقَبَّلُ [[قرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون، وقرأ الباقون بالياء. انظر: كتاب "الحجة" لأبي علي 6/ 184، و"السبعة" لابن مجاهد ص 597، و"الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 272، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 664.]]. وقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ يعني: الأعمال الصالحة التي عملوها في الدنيا وكلها حسن، فالأحسن بمعنى التحسن كقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ﴾ [الزمر: 55] وقد مر، وقال بعض أهل المعاني: الحسن من الأعمال المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب، والأحسن ما يوجب الثواب من خير وطاعة [[انظر: "الجامع الأحكام القرآن" 16/ 196.]]. وقوله تعالى: ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ قال الحسن: هذا لمن أراد الله كرامته [[انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 233.]]، وقال عطاء: يريد ما كان في الشرك. قوله: ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ قال مقاتل: (في) بمعنى: مع [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 21.]]، وعلى هذا المعنى أنه يفعل بهم ما يفعل بأصحاب الجنة كما تقول: يعطى زيد مع القوم، ويجوز أن يكون المعنى: ونتجاوز عن سيئاتهم في جملة ما نتجاوز عنهم وهم أصحاب الجنة؛ لأنهم أهل التجاوز عنهم، وكأنه قال: ونتجاوز في جملة من نتجاوز عنهم [[قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: أي هؤلاء المتصفون بما ذكرنا التائبون إلى الله المنيبون إليه المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم، فيغفر لهم الكثير من الزلل ونتقبل عنهم اليسير من العمل. انظر: "تفسير ابن كثير" 6/ 282.]]. وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ قال أبو إسحاق: هو مصدر مؤكد لما قبله؛ لأن قوله (نتقبل) و (نتجاوز) بمعنى الوعد لأن الله قد وعدهم القبول، فوعد الصدق توكيد لذلك [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 443.]]. قال المفسرون: ومعنى (وعد الصدق): هو ما وعد الله أهل الإيمان أن يتقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 18، و"تفسير البغوي" 7/ 258، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 196، و"تفسير الوسيط" 4/ 108.]]، ومعنى التجاوز في اللغة: ترك الوقوف على الشيء، يقال: جاز عنه وتجاوز، ثم استعمل بمعنى العفو؛ لأنه بمعنى الترك للذنب والمحاسبة عليه [[انظر: "تهذيب اللغة" (جوز) 11/ 149، و"الصحاح" (جوز) 3/ 870.]]، ووعد الصدق من باب إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الصدق هو ذلك الوعد الذي وعده الله فهو كقوله [[انظر: "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 2/ 296.]]: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: 95] هذا على مذهب الكوفيين، وعند البصريين يكون التقدير: وعد الكلام الصدق، والكتاب الصدق فحذف الموصوف [[انظر: "فتح القدير" للشوكاني 5/ 19.]]. وقوله: ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾، قال الكلبي: كانوا يوعدون في الدنيا على لسان الرسل [[انظر: "تنوير المقباس" ص 504، وذكر هذا المعنى الماوردي، ولم ينسبه. انظر: "تفسيره" 5/ 29، وأيضًا ذكره ابن الجوزي، ولم ينسبه. انظر: "زاد المسير" 7/ 379.]]، وهو قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [التوبة: 72].