الباحث القرآني

وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ ذكر المفسرون في هذه الآية قولين، الأكثرون على أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر [[أخرج ذلك البخاري في صحيحه. انظر: كتاب التفسير سورة الأحقاف باب "والذي قال لوالديه أف لكما. .) 2/ 6 / 41.]]، وهو قول ابن عباس [[أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس. انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 19، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 279، و"تفسير البغوي" 7/ 258، و"الجامع" للقرطبي 16/ 197.]] وأبي العالية والسدي ومقاتل [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 258، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 197، و"تفسير ابن كثير" 6/ 284، و"تفسير مقاتل" 4/ 21.]] ومجاهد قالوا: نزلت فيه قبل إسلامه [[وقد ضعف هذا القول ابن كثير في تفسيره 6/ 284، وكذلك ضعفه ابن حجر في الفتح، فقال: قلت: لكن نفي عائشة أن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته أصح إسناداً وأولى بالقبول. انظر: "فتح الباري" تفسير 8/ 576.]] كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى وهو قول "أف لكما". قال مقاتل: يعني الرديء من القول [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 21.]]، وذكرنا تفسير أُف، والقراءة فيه في سورة بني إسرائيل [آية: 23]، قال المفسرون: دعاه أبواه إلى الإسلام وأخبراه بالبعث بعد الموت فقال: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي: من القبر يعني: أبعث بعد الموت ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ يعني الأمم الخالية، فلم أر أحدًا منهم، فأين عبد الله بن جدعان، وأين عثمان بن عمرو [[هو: عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة من عدنان جد جاهلي بنوه بطن من مزينة منهم زهير بن أبي سلمى وآخرون صحابة وشعراء محدثون. انظر: "جمهرة الأنساب" ص 190، و"الأعلام" 4/ 212.]] وفلان وفلان [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 111 أ، و"تفسير البغوي" 7/ 259، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 198، و"تفسير الوسيط" 4/ 109.]]. قوله تعالى: ﴿وَهُمَا﴾ يعني والديه ﴿يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾ يدعوان الله بالهدى وأن يقبل بقلبه إلى الإسلام والمعنى: يستغيثان بالله من كفره وإنكاره، فلما حذف الجار وصل الفعل، ويجوز أن يكون الباء حذف لأنه أريد بالاستغاثة الدعاء على ما قال المفسرون يدعوان الله، والاستغاثة بالله دعاء ليغيثك فيما نابك، فلما أريد به الدعاء حذف الجار [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 198، و"تفسير الوسيط" 4/ 109.]]؛ لأن الدعاء لا يقتضيه ومثله كثير. قوله: ﴿وَيْلَكَ﴾ أي: ويقولون له: ويلك ﴿آمِنْ﴾ صدق بالبعث ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث ﴿حَقٌّ فَيَقُولُ﴾ لهما ﴿مَا هَذَا﴾ الذي تقولان من أمر البعث وتدعوانني إليه ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وقال الحسن وقتادة: هذه الآية مرسلة عامة، وهي نعت عبد كافر عاق لوالديه [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 259، و"الجامع" 16/ 197 ، فقد نسباه للحسن وقتادة.]]، وكانت عائشة رضي الله عنها تنكر أن تكون الآية في عبد الرحمن، وقالت: إنها في فلان بن فلان وسَمَّت رجلاً [[انظر: "فتح الباري" 8/ 576، و"تفسير البغوي" 7/ 259، و"زاد المسير" 7/ 380، و"الجامع" للقرطبي 16/ 197.]]. وقال أبو إسحاق: من قال إنها نزلت في عبد الرحمن قبل إسلامه يبطله.