الباحث القرآني

فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ ذكر المبرد في الضمير في (رأوه) قولين أحدهما: أنه عاد إلى غير مذكور وبَيَّنه قولُه تعالى: ﴿عَارِضًا﴾ [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 169، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 205.]]، كما قال: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: 45] ولم يذكر الأرض، ولكن يدل عليها العلم بها وما دل عليه الكلام، وعلى هذا الضمير يعود إلى السحاب كأنه قيل: فلما رأوا السحاب عارضًا، وهذا قول المفسرين واختيار الزجاج [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 25، و"تفسير الثعلبي" 10/ 114 ب، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 445.]]، ويكون هذا من باب الإضمار على شريطة التفسير، القول الثاني: أن الضمير عاد إلى: (ما) في قوله: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾، فلما رأوا ما يوعدون [[ذكر القولين السمين الحلبي في "الدر المصون" 6/ 141.]] عارضًا. قال أبو زيد: العارض السحاب يراها في ناحية السماء [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 169.]]. وقال أبو عبيدة: العارض من السحاب الذي يرى في قطر من أقطار السماء بالعشي، ثم يصبح وقد حبا حتى استوى [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 213.]]، وهذا قول مقاتل: العارض بعض السحابة ثم تطبق السماء [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 23.]]. قوله: ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ قال المفسرون: كان عاد قد حبس عنهم المطر أيامًا فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث [[المُغِيث: بالضم ثم الكسر وآخره ثاء مثلثة: اسم الوادي الذي هلك فيه قوم عاد، وقال أبو منصور: بين معدن النَّقْرة والرَّبذة ماء يعرف ماوان ماء وشروب. انظر: "معجم البلدان" 5/ 162.]]، فلما رأوه مستقبل أوديتهم استبشروا [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 25، "تفسير الثعلبي" 10/ 114 ب.]] ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ والمعنى: ممطر إيانا، وهذا كقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، وقد مر. قال عمرو بن ميمون: كان هو قاعدًا في قومه فجاء سحاب مكفهر [[قال الأصمعي: (المكفهِرَ من السحاب: الذي يَغلَظ ويركَبْ بعضهُ بعضًا)، انظر: "تهذيب اللغة" (المكفهر) 6/ 508.]]، فقالوا: هذا عارض ممطرنا، فقال هود: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [[أخرج ذلك الطبري عن عمرو بن ميمون انظر "تفسيره" 13/ 2/ 26.]] قال مقاتل: وكان استعجالهم حين قالوا لهود: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 23.]] ثم بين ما هو فقال: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، قال ابن عباس: كانت الريح تطير بهم بين السماء والأرض حتى أهلكتهم [[ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" عن ابن عباس 16/ 206، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس، انظر: 4/ 113.]].