الباحث القرآني

وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ
قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ قال المفسرون: لما أيس رسول الله -ﷺ- من قومه أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف إلى مكة فكان ببطن نخلة [[هي: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة، ينهما الطرف على الطريق وهو بعد أبرق العزّاف للقاصد إلى مكة، انظر: "معجم البلدان" 1/ 449 - 450، وقال ابن حجر: هي موضع بين مكة وطائف. قال البكري: على ليلة من مكة وهي التي ينسب إليها بطن نخلة ووقع في رواية مسلم بنخل بلا هاء والصواب إثباتها، انظر: "فتح الباري" / 674.]] قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر مَرَّ به نفر من أشراف حسن نصيبين كان إبليس بعثهم ليعرف السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم، فدفعوا إلى النبي -ﷺ- وهو يصلي فاستمعوا لقراءته، وهذا قول ابن عباس في رواية مجاهد والكلبي وقول عبد الله وسعيد بن جبير ومقاتل [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 30، و"تفسير مجاهد" ص 603، و"تنوير المقباس" ص 506 و"تفسير مقاتل" 4/ 27، و"الدر المنثور" 7/ 452، و"تفسير الوسيط" 4/ 115.]]. وقال آخرون: بل أمر رسول الله -ﷺ- أن ينذر الجِنَّة ويدعوهم إلى الله ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفر من الجن ليستمعوا منه وينذروا قومهم، وهذا معنى قول قتادة [[انظر: "زاد المسير" 7/ 388، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 212.]]، واختلفوا في عدد النفر، فقال ابن عباس: كانوا سبعة [[أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس، انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 30، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس، انظر: 4/ 115.]]، وقال الكلبي ومقاتل [[انظر: "تنوير المقباس" ص 506، و"تفسير مقاتل" 4/ 27، ونسبه الهيثمي في مجمع الزوائد لابن عباس، انظر: 7/ 106، ونسبه في "الوسيط" للكلبي ومقاتل، انظر: 4/ 115.]]: كانوا تسعة، وهو قول زر بن حبيش [[أخرج ذلك الطبري عن زر بن حبيش، انظر: تفسيره 13/ 2/ 31، ونسبه الهيثمي في "مجمع الزوائد" لزر بن حبيش وقال: رواه البزار ورجاله ثقات. انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 106، وهو في "كشف الأستار" 3/ 68 عن زر.]]، وقوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ من صفة النكرة، وهذا يدل على أنهم أتوا لاستماع القرآن؛ لأن المعنى: نفرًا مستمعين القرآن، أي طالبين سماعه، فهذا يدل على صحة القول الثاني. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ إن عاد الضمير إلى النبي -ﷺ- فهو من تلوين الخطاب، وإن عاد إلى القرآن وهو الظاهر، فالمعنى: فلما حضروا استماعه [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 215، و"الدر المصون" 6/ 144.]] قالوا: انصتوا، قال زر بن حبيش: قالوا صَهٍ [[أخرج ذلك الطبري عن زر. انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 33، وأخرجه الهيثمي في "كشف الأستار" عن زر. انظر: "كشف الأستار" 3/ 68.]]، وهو كلمة الإسكات. قال ابن عباس والمفسرون: قال بعضهم لبعض اسكتوا [[ذكر المعنى من غير نسبة البغوي في "تفسيره" 75/ 269، والقرطبي في "الجامع" 16/ 215.]]، وذلك أنهم ازدحموا وركب بعضهم بعضًا حبًا للقرآن وحرصاً عليه، قال ابن مسعود: لما فتح النبي -ﷺ- القرآن ليلة الجن غشيته أسودة كثيرة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 212.]]. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ قال أبو إسحاق: أي فلما تلى عليهم القرآن حتى فرغ منه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 447.]]. ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد بما أمرهم به رسول الله -ﷺ- من توحيده وفرائضه وأحكامه [[أخرج الطبري عن ابن عباس يقول: انصرفوا منذرين عذاب الله على الكفر به. انظر: "تفسير الطبري" 13/ 33.]]. والمعنى: أن هؤلاء الذين استمعوا القرآن انصرفوا إلى قومهم بعد الاستماع محذرين إياهم بأس الله إن لم يؤمنوا، وهذا يدل على أن هؤلاء آمنوا بالنبي -ﷺ- ولو لم يؤمنوا لم يخبر عنهم بإنذار قومهم، ولهذا قال مقاتل في تفسير (منذرين): مؤمنين [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 27.]].