الباحث القرآني

فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ یَوۡمَ یَرَوۡنَ مَا یُوعَدُونَ لَمۡ یَلۡبَثُوۤا۟ إِلَّا سَاعَةࣰ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَـٰغࣱۚ فَهَلۡ یُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ
قوله: ﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ تفسير العزم قد تقدَّم ذكره [البقرة:227، وآل عمران: 159] قال ابن عباس في رواية عطاء وأبي صالح: يريد نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، ونحو هذا روى معمر عن قتادة [[أخرج ذلك الطبري عن عطاء 13/ 2/ 37، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 288 ، و"البغوي" 7/ 272، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 219، و"تفسير الوسيط" 4/ 116.]]. وقال أبو العالية: هم ثلاثة: نوح وإبراهيم وهود، ومحمد -ﷺ- رابعهم [[نظر: "تفسير الماوردي" 5/ 288، و"زاد المسير" 7/ 392، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 220، و"تفسير أبي الليث السمرقندي" 3/ 237.]]. وقال الحسن: هم أربعة إبراهيم وموسى ودواد وعيسى، أما إبراهيم فإنه ابتلي في نفسه وولده ووطنه فوجد صادقًا، وأما موسى فإنه عزم ولم يشك حين قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء: 61]. وأما داود فإنه لما نُبِّهَ على زلته بكى أربعين سنة، وأما عشى فإنه لم يضع في الدنيا لبنة على لبنة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 121 ب. و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 221، عن الحسن، وانظر: تفسير الحسن 2/ 286.]]. وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح [[هذا على القول بأن الذبيح إسحاق لا إسماعيل، وهو قول ضعيف.]]، ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر، ويوسف صبر على البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 31، 32، و"الثعلبي" 10/ 121 ب، و"البغوي" 7/ 272.]]. وقال الكلبي: هم أمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا في الدين [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 121 أ، و"تفسير البغوي" 7/ 271، عن الكلبي، و"تفسير الوسيط" 4/ 116.]]، فهذا قول المفسرين في تفسير أولي العزم من الرسل. وأما أهل المعاني والمحققون من العلماء فإنهم قالوا: كل الرسل أولو العزم، ولم يبعث الله رسولاً إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل. و (من) في قوله: (من الرسل) تبيين لا تبعيض [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 121 أ، و"وضح البرهان في مشكلات القرآن" 2/ 298، و"تفسير البغوي" 7/ 271]] كما يقال: أكسية من الخز، وكأنه قيل له: اصبر كما صبر الرسل قبلك على أذى قومهم، ووصفهم بالعزم لصبرهم ورزانتهم. وهذا قول ابن زيد [[أخرج ذلك الطبري عن ابن زيد. انظر: تفسيره 13/ 2/ 37، و"تفسير الثعلبي" 10/ 121 أ، و"تفسير البغوي" 7/ 271.]] وذكره الكلبي فقال: ويقال كل الرسل قد كان ذا عزم [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 121 أ، و"تنوير المقباس" ص 506.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد العذاب، ومفعول الاستعجال محذوف من الكلام، وهو ما ذكره ابن عباس [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 2/ 37، و"تفسير الثعلبي" 122/ 10 ب، و"تفسير البغوي" 7/ 272، فقد ذكروا المعنى ولم ينسبوه لابن عباس.]]، وكان النبي -ﷺ- ضجر بعض الضمير وأحب أن ينزل الله العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر وترك الاستعجال، ثم أخبر أن ذلك منهم قريب [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 22، و"زاد المسير" 7/ 393، و"تفسير الوسيط" 4/ 117.]] بقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: من العذاب في الآخرة: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ وقال الكلبي: لم يمكثوا في القبور إلا ساعة [[انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 289، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 222، وقد نسبا القول للنقاش.]]، وقال مقاتل: لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 32، و"تفسير الطبري" 13/ 2 / 37.]]، والمعنى أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من النهار، أو كأنه لم يكن لهول ما عاينوا؛ ولأن الشيء إذا مضى كأنه لم يكن وإن كان طويلاً ألا تسمع قول القائل: كأنَّ شيئًا لم يَكُنْ إذا مَضَى ... كأنَّ شيئًا لم يَزَل إذا أَتَى [[لم أقف عليه.]] وتم الكلام [[انظر: "القطع والائتناف" ص 664.]] ثم قال: ﴿بَلَاغٌ﴾ أي: هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ من الله إليكم كما قال: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ [إبراهيم: 52] الآية، والبلاغ بمعنى التبليغ، وهذا مذهب المفسرين والقراء، من أن قوله (بلاغ) ابتداء كلام آخر [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 12 ب، و"تفسير البغوي" 7/ 273، و"زاد المسير" 7/ 393، و"القطع والائتناف" للنحاس ص 664، و"النشر في القراءات العشر" ص 482.]] ، وقال مقاتل في قوله (بلاغ) يقول: كأنهم تبلغوا فيها، والبلاغ على هذا القول بمعنى التبليغ [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 32.]]، والمعنى: أن طول لبثهم في الدنيا كأنه تبلغ. والقول هو الأول. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: العاصون الخارجون عن أمر الله. يعني: أن العذاب لا يقع إلا بهم فيما بلغهم محمد -ﷺ- عن الله، ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 448، و"تفسير البغوي" 7/ 273، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 222، و"تفسير الوسيط" 4/ 117.]]. قال أبو إسحاق تأويله: لا يهلك مع رحمة الله وتفضله إلا القوم الفاسقون [[انظر:"معاني القرآن" للزجاج 4/ 448.]].