الباحث القرآني

مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِی وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِیهَاۤ أَنۡهَـٰرࣱ مِّن مَّاۤءٍ غَیۡرِ ءَاسِنࣲ وَأَنۡهَـٰرࣱ مِّن لَّبَنࣲ لَّمۡ یَتَغَیَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَـٰرࣱ مِّنۡ خَمۡرࣲ لَّذَّةࣲ لِّلشَّـٰرِبِینَ وَأَنۡهَـٰرࣱ مِّنۡ عَسَلࣲ مُّصَفࣰّىۖ وَلَهُمۡ فِیهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِ وَمَغۡفِرَةࣱ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَـٰلِدࣱ فِی ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَاۤءً حَمِیمࣰا فَقَطَّعَ أَمۡعَاۤءَهُمۡ
ثم وصف الجنات التي وعدها المؤمنين بقوله: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} الآية، والكلام في معنى (مثل الجنة) وإعرابه قد مر في سورة الرعد [آية: 35] بأبلغ استقصاء. قوله تعالى: ﴿الْمُتَّقُونَ﴾ قال الكلبي ومقاتل: هم أمة محمد -ﷺ- يتقون الشرك [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 46، "تنوير المقباس" ص 508.]]. قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ وتقرأ: أسن. بالقصر، روى أبو عبيد عن أبي زيد: أسَنَ الماءُ يأسِنُ أَسْنا وأُسُوناً، إذا تغير، وهو الذي لا يشربه أحدٌ من نتنه [[انظر هذا القول بنصه في "تهذيب اللغة" (أسن) 13/ 84، وانظر: "اللسان" (أسن) 13/ 16.]]، وكذلك: أسن الرجل يأسن، إذا غشي عليه من ريح خبيثة، وربما مات منها [[انظر: "تهذيب اللغة" (أسن) 13/ 85، "اللسان" (أسن) 13/ 17.]] وأنشد لزهير: يُغادِرُ القِرْنَ مُصْفَرَّاً أنامِلُه ... يَمِيْدُ في الرُّمْحِ مَيْدَ المائِحِ الأسِنِ [[انظر: "ديوان زهير" ص 121، و: تهذيب اللغة" (أسن) 13/ 84، "اللسان" (أسن) 13/ 17، "الحجة" 6/ 191، "الدر المصون" 6/ 150، "البحر المحيط" 8/ 70.]] وهو الرجل الذي دخل بئراً فاشتد عليه ريحها حتى يصيبه دوار فيسقط، وقال المبرد: يقال أسن يأسِن أسَناً فهو آسِن وأسِن، وهو المتغير الرائحة وقياسه: حذر يحذر حذرًا فهو حاذر وحَذِر [[انظر: "الكامل" للمبرد 3/ 68.]]، قال المفسرون في الآسن: هو المتغير المنتن [[انظر: "جامع البيان" 13/ 49، "تفسير الثعلبي" 10/ 126 أ، "البغوي" 7/ 282.]] ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ قالوا: لا يحمض كما تتغير ألبان أهل الدنيا، وذلك أنها لم تخرج من ضروع الإبل ولا الغنم [[قال ابن جرير: لأنه لم يحلب من حيوان فيتغير طعمه بالخروج من الضروع، ولكنه== خلقه الله ابتداء في الأنهار فهو بهيئته لم يتغير عما خلقه عليه. انظر: "تفسير الطبري" 13/ 49.]] ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ كقوله: ﴿بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات: 46] وقد مر. قال ابن عباس: يريد لم تعصره الرجال [[قال الثعلبي في "تفسيره": أي لم تدسها الأرجل ولم تدنسها الأيدي. انظر: "تفسيره" 10/ 126 أ، ولم أقف على قول ابن عباس.]]. قوله: ﴿مِنْ عَسَلٍ﴾ العسل هو المستحلى من لعاب النحل، والعرب تسمي ما يستحلى عسلاً كصمغ العُرْفُط [[قال شمر: العُرْفُط: شجرة قصيرة متدانية الأغصان ذات شوك كثير، طولها في السماء كطول البعير باركًا، ولها وريقة صغيرة، تنبت بالجبال تَعْلقُها الإبل أي تأكل بفيها أعراض غِصَنَتِها. أبو عبيد عن الأصمعي: العُرْفُط: شجرة من العضاة. انظر: "تهذيب اللغة" (باب العين والطاء) 3/ 346.]]. وصقر الرطب [[قال الليث: والصَّقر: ما تَحلَّبَ من العنبِ والتمر من غير عصر. انظر: "تهذيب اللغة" (قصر) 8/ 364.]]. وأقرأني العروضي رحمه الله قال: أقرأني الأزهري قال: أخبرني عبد الملك [[هو: عبد الملك بن محمد بن عدي أبو نعيم الجرجاني الأستراباذي سمع من الربيع ابن سليمان وغيره، وقال الخطيب: كان أحد الأئمة ومن الحفاظ لشرائع الدين مع صدق وتيقظ وورع. توفي سنة 323 هـ انظر: "تاريخ بغداد" 10/ 428، "طبقات الشافعية الكبرى" 2/ 242، "تذكرة الحفاظ" 3/ 816.]] عن الربيع عن الشافعي، أنه قال: عسل النحل هو المنفرد بالاسم دون ما سواه، والعرب تؤنث العسل وتذكره، وتأنيثه في شعر الشماخ، والعاسل الذي يشتار العسل ومنه قول لبيد: وأرْي دُبُورٍ شارَه النحلَ عاسلُ [[عجز البيت في "تهذيب اللغة". (عسل) 2/ 94، "اللسان" (عسل) 11/ 445.]] ويقال: عسلت الطعام أعسله، إذا جعلت فيه عسلاً [[من بداية الحديث عن العسل. انظره بنصه في "تهذيب اللغة" (عسل) 2/ 93 - 94.]]، قال ابن عباس: يريد لم يخرج من بطون النحل [[ذكر ذلك أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 79.]]، وذلك قوله: ﴿مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ قال مقاتل: ليس فيها عكر ولا كدر كعسل أهل الدنيا [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 46.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ قال أبو علي الفارسي: (من) زائدة للتوكيد [[انظر: "الدر المصون" 6/ 151، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 237، ولم أقف عليه عند أبي علي.]] وأنشد قول ذي الرمة: تبَسَّمْنَ عن نَوْر الأقاحِي في الثَّرَى ... وفَتَّرنَ من أَبْصار مَضرُوجَةٍ كحْلِ [[انظر: "ديوانه" ص 487.]] أراد وفترن أبصار مضروجة. قوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قال أبو إسحاق: يغفر ذنوبهم ولا يجازون بالسيئات ولا يوبخون في الجنة فَيُهَنَّونَ الفوز العظيم والعطاء الجزيل [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 10.]]. قوله ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ قال الفراء: لم يقل: أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار، ولكن هذا المعنى في ضمن هذا الكلام فبني عليه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 60.]]. وقال أبو إسحاق: المعنى: أفمن كان على بينة من ربه، وأعطي هذه الأشياء كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 10.]]، وعلى ما قال أبو إسحاق ﴿كمَن﴾ في هذه الآية: بدل من قوله: ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ واختار صاحب النظم قول الفراء، وقال: الكاف في قوله: ﴿كَمَن﴾ تدل على مبتدأ قبله، ولم يجر له ذكر، وإنما جرى ذكر الجنة وصفتها، فكأنه -عز وجل- قال: أفمن هو في الجنة كمن هو خالد في النار، فدل الجواب على الابتداء [[انظر: "تفسير ابن عطية" 15/ 60، "الدر المصون" 6/ 151.]]. قوله تعالى ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ قال مقاتل: ماء شديد الحر تستعر عليهم جهنم، فهي تغلي منذ خلقت السموات والأرض، فقطع أمعاءهم في الجوف من شدة الحر [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 47.]]. وروى أبو أمامة عن النبي -ﷺ- قال: "إذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره" [[أخرج ذلك الطبري عن أبي أمامة. انظر: "تفسيره" 13/ 50، "تفسير الوسيط" 4/ 123، وأخرجه الحاكم عن أبي أمامة. انظر: "المستدرك"، كتاب التفسير، تفسير سورة محمد -ﷺ- 2/ 457، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.]]. قال ابن عباس: وهذه الآية كقوله [[لم أقف عليه.]]: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: 19] ونحو هذه الآية قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: 17] الآية، وقوله: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: 29] الآية، وواحد الأمعاء: مِعَى، مثل ضِلَع. وتثنيته: معيان، وهو جميع ما في البطن من الحوايا [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 283، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 237.]].
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتئاج.