الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني المنافقين يستمعون خطبة النبي -ﷺ- يوم الجمعة، وكان يعرض بالمنافقين ويعيبهم، فإذا خرجوا من المسجد قالوا لأولي العلم من الصحابة: ماذا قال آنفاً، وذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [[انظر: "تفسير السمرقندي" 3/ 243، "تنوير المقباس" ص 508.]]. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كنت فيمن سئل، يعني أنه من الذين ذكرهم الله في قوله: (قالوا للذين أوتوا العلم) [[خرج ذلك الطبري. انظر: "تفسيره" 13/ 51، والحاكم في "المستدرك" 2/ 457 وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. انظر: "المستدرك" كتاب التفسير تفسير سورة محمد -ﷺ-.]]. وروى عطاء عن ابن عباس: يريد عبد الله بن مسعود، وهو قول ابن بريدة [[انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 298، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 238.]] ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 47.]]. قوله: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ أي: ماذا قال الساعة، ويعني الآنف من الائتناف، وهو الابتداء يقال: ائتنفت الكلام ائتنافاً، أي: ابتدأته. قال: ذلك أبو زيد، والاستئناف أيضًا بهذا المعنى، وهما من الأنف وهو أول كل شيء يقال هذا ثم أنف العدو، وأنف البرد، وأنف المطر، أي: أوله [[انظر: "تهذيب اللغة" (أنف) 15/ 482، "اللسان" (أنف) 9/ 14.]]، قال امرؤ القيس: قد غَدَا يَحْمِلُنِي أَنْفِهِ ... لاحِقُ الأيْطَلِ مَحْبُوكٌ مُمَرْ [[انظر: "تهذيب اللغة" (أنف) 15/ 482، "اللسان" 9/ 14.]] أي: في أول جريه، ومن هذا أنف الجبل، وأنف الإنسان، وأنف خف البعير، وقال أبو علي الفارسي: و (آنفا) من أنف، أي ابتدأ وهو غير مستعمل، وإن كان القياس يوجبه، وقد يجيء اسم الفاعل على ما لم يستعمل من الفعل نحو: فقير، جاء على فَقره، والمستعمل افتقر، وكذلك شديد، والمستعمل اشتد، فكذلك قوله: آنفاً، والمستعمل ائتنف [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 193.]]. وروى أحمد بن موسى بإسناده عن ابن كثير من طريق البزي: (أنِفاً) بالقمر [[انظر: "الحجة" 6/ 192، "التذكرة في القراءات" لابن غلبون 2/ 683.]]، وهذا يحمل على أنه توهمه، مثل: خادر وخدر، وفاكه وفكه، والوجه قراءة العامة، ويدل عليه قول الشاعر: ويحرُمُ سِرُّ جَارَتِهم عليهم ... ويَأْكُلُ جَارُهُم أُنُفَ القِصَاعِ [[البيت للحطيئة. انظر: "ديوانه" ص 62، "لسان العرب" (أنف) 9/ 13، و"الزاهر" 2/ 312.]] يريد: أنهم يؤثرونه بأفضل الطعام وأوله لا البقايا، وأُنُف جمع أَنْف بالمد، مثل: قَاتِل وقُتُلٍ، وبازلٍ وبُزُلٍ [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 194.]]. وذكر المفسرون في وجه سؤال المنافقين قولين: أحدهما: أنهم سألوا استهزاء منهم وإعلاماً أنهم لم يستمعوا إلى كلامه ولم يلتفتوا إلى ما قال، وهذا اختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 10، "تفسير الماوردي" 5/ 298، و"زاد المسير" 7/ 402.]]، القول الثاني: أنهم سمعوا كلامه ولم يفقهوه، فلذلك سألوا [["تفسير الماوردي" 5/ 298، و"زاد المسير" 7/ 402.]]. قال مقاتل: وقد سمعوا قول النبي -ﷺ- فلم يفقهوه [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 47.]]، وعلى هذا دل كلام ابن عباس في رواية عكرمة قال: كان المنافقون إذا جلسوا عند النبي -ﷺ- يخرجون فيقولون: ماذا قال آنفاً [[ذكر أبو حيان في البحر المحيط قريبًا من ذلك ولم ينسبه. انظر: "البحر المحيط" 8/ 79، وكذلك ذكر نحوه ابن كثير في "تفسيره" 6/ 316.]] ليس معهم قلوب، وعلى هذا دل سياق الآية، وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال مقاتل: ختم على قلوبهم بالكفر فلا يعقلون الإيمان ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ في الكفر [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 47.]] والنفاق.