الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ
قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ لم أر في هذا شيئاً أمثل مما قال أبو إسحاق، وهو أنه قال: المعنى: قد بينا ما يدل على أن الله -عز وجل- واحد فاعلم أنه لا إله إلا الله، والنبي -ﷺ- قد علم ذلك ولكنه خطاب يدخل الناس مع النبي -ﷺ- كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: 1] والمعنى: من علم فليقم على ذلك العلم، كما قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 5] أي ثبتنا على الهداية [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 12.]]، هذا كلامه على أنه قد ذكر عن عبد العزيز بن يحيي أنه قال: كان النبي -ﷺ-: يضجر ويضيق صدره من طعن الكافرين والمنافقين فيه، فأنزل الله هذه الآية يعني: فاعلم أنه لا كاشف يكشف ما بك إلا الله، فلا تعلق قلبك على أحد سواه [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 127 أ.]]. ويجوز أن يكون قوله: (فاعلم) جواباً لقوله (إذا جاءتهم) له جوابان أحدهما: سابق؛ وهو قوله: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾، والآخر: (فاعلم)، ويكون المعنى على هذا: إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا إله إلا الله، أي: في ذلك الوقت تبطل الممالك والدعاوى، فلا ملك ولا حكم لأحد إلا الله ولا ملجأ إلى أحد إلا الله كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] وهذا المعنى يروى عن سفيان بن عيينة وأبي العالية [[انظر: "تفسير سفيان بن عيينة" ص 320، "تفسير الثعلبي" 10/ 127 ب، "تفسير البغوي" 7/ 285.]]. قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ الكلام في ذنبه -ﷺ- يأتي في أول سورة الفتح إن شاء الله، قال أهل المعاني: وإنما أمر بالاستغفار مع أنه مغفور له لتستن ول أمته في الاستغفار [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 127/ ب، والبغوي في "تفسيره" 7/ 285، والقرطبي في "الجامع" 16/ 242.]]، وقد قال -ﷺ-: "إني لأستغفر في اليوم سبعين مرة" [[أخرج ذلك الترمذي عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. انظر: "سنن الترمذي" كتاب: التفسير باب 48، ومن سورة محمد -ﷺ- 5/ 383، رقم 3259. وانظر: "الدر المنثور" 7/ 495 وقد، عزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "شعب الإيمان"، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 223.]]. قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: ولذنوبهم، وهذا إكرام من الله تعالى للمؤمنين والمؤمنات من هذه الأمة حين أمر نبيهم -ﷺ- أن يستغفر لهم، وهو الشفيع المجاب، ثم أخبر عن علمه بأحوال الخلق ومآلهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: متصرفكم ومنتشركم في أعمالكم في الدنيا ومصيركم في الآخرة إلى الجنة أو النار [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 128 أوالبغوي في "تفسيره" 7/ 285، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 405، والقرطبي في "الجامع" 16/ 243.]]. وقال مقاتل: منتشركم بالنهار ومأواكم بالليل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 48، "تفسير البغوي" 7/ 285، "زاد المسير" 7/ 405.]]. وقال عكرمة: متقلبكم من الأصلاب إلى الأرحام ومقامكم في الأرض [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 127 ب، 128 أ، وانظر: "تفسير البغوي" 7/ 286، "زاد المسير" 7/ 405، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 243.]]. وقال ابن كيسان: متقلبكم حيث تتقلبون فيه من ظهر إلى بطن ومقامكم في القبور [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 280 أ، والبغوي في "تفسيره" 7/ 286، والقرطبي في "الجامع" 16/ 243.]]، والمعنى: أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها.