الباحث القرآني

وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةࣱۖ فَإِذَاۤ أُنزِلَتۡ سُورَةࣱ مُّحۡكَمَةࣱ وَذُكِرَ فِیهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَیۡتَ ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ یَنظُرُونَ إِلَیۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِیِّ عَلَیۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أن المؤمنين يسألون ربهم أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله يحرض فيها المؤمنين [[ذكر معنى هذا القول من غير نسبة الثعلبي في "تفسيره" 10/ 128 أ، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس، انظر: 4/ 126.]]، وقال في رواية الكلبي: كان المؤمنين إذا أبطأ عليهم الوحي اشتاقوا إلى نزوله فقالوا: هلا أنزلت سورة على محمد -ﷺ- [[ذكر معنى هذا القول من غير نسبة الماوردي في "تفسيره" 5/ 300، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 405، والقرطبي 16/ 243، وانظر: "تنوير المقباس" ص 509.]]، والقول هو الأول: أنهم أحبوا أن ينزل سورة فيها ذكر القتال، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ قال قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: "تفسيره" 13/ 54، وأورده الماوردي في "تفسيره" 5/ 301، والثعلبي في "تفسيره" 10/ 128 أ، والبغوي 7/ 286.]]، وهذا معنى ما روى عطاء عن ابن عباس في المحكمة أنها ما أمر فيها بنصر نبي الله -ﷺ-. وروي عن ابن عباس في المحكمة أنها التي لا ينسخ ما نزل فيها [[ذكر نحوه الماوردي 5/ 301 من غير نسبة. وكذلك ذكر هذا المعنى في "الوسيط" 4/ 126 ولم ينسبه.]]، وهو اختيار الزجاج، قال معنى محكمة: غير منسوخة [[انظر: "معاني القرآن للزجاج" 5/ 12.]]، ونحو هذا قال الكلبي ومقاتل: إنها البينة بالحلال [[انظر: "تنوير المقباس" ص 509، وتفسير مقاتل 4/ 48.]]، والأمر والنهي لا ينسخ. وقال عبد الله بن مسلم: سورة محكمة أي: محدثة، وسميت المحكمة محدثة؛ لأنها حين تنزل تكون كذلك حتى ينسخ منها شيء، يدل على صحة هذا أن في حرف عبد الله (فإذا أنزلت سورة محدثة وذكر فيها القتال) [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" 2/ 132، و"تفسير الطبري" 26/ 54. وذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 128 أ، والماوردي 5/ 300، وصرح أنه ابن مسعود، وذكره أيضًا ابن عطية في "تفسيره" 15/ 67، والقرطبي 16/ 243.]] قال المفسرون أي: فرض فيها الجهاد [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 2/ 132، "زاد المسير" 7/ 405، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 243.]]، والمعنى: ذكر فيها فرض القتال، قاله الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 12.]]. قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ كقوله: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: 19] وقد مر، قال ابن قتيبة: يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم وينظرون نظراً شديداً بتحديد وتحديق، كما ينظر الشاخص بصره عند الموت من شدَّة العداوة [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 2/ 132.]]. وقال أبو إسحاق: إنما ذكر ذلك لأنهم منافقون يكرهون القتال؛ لأنهم إذا قعدوا عنه ظهر نفاقهم فخافوا على أنفسهم القتل [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 12.]]. قوله: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ فيه مذاهب ثلاثة: قال قتادة: هذا وعيد لهم وانقطع الكلام [[أخرج ذلك الطبري 13/ 55 عن قتادف وذكره الماوردي في "تفسيره" 5/ 301.]]، ونحو هذا قال مقاتل والكلبي [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 48، "تنوير المقباس" ص 509.]]، واختاره الزجاج وابن قتيبة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 12، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 411.]]، وهو قول أكثر أهل اللغة [[قال ذلك الطبري. انظر: "تفسيره" 13/ 55، وانظر: "تهذيب اللغة" (ولى) 15/ 448، "اللسان" (ولى) 15/ 411، "مقاييس اللغة" (ولى) 6/ 141.]]، واختلفوا لم صارت هذه الكلمة للتهديد؟ فقال الأصمعي: معنى قولهم في التهديد: أولى لك، وليك وقاربك ما تكره وأنشد: فَعَادى بَينَ هَادِيَتَيْنِ مِنْهَا ... وأَوْلَى أَن يَزيدَ عَلَى الثَّلاثِ [[انظر: المراجع السابقة، "الدر المصون" 6/ 153.]] أي: قاربك أن يزيد على الثلاث. قال ثعلب: ولم يقل أحد في (أولى لك) أحسن مما قال الأصمعي [[ذكر ذلك الأزهري في "تهذيب اللغة" (ولي) 15/ 448، وانظر: المراجح السابقة.]]، وأبو إسحاق يختار هذا القول، ويقول: المعنى: وليهم المكروه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 12.]]. قال أبو العباس: وقال غير الأصمعي: (أولى) يقولها الرجل لآخر يحسِّره على ما فاته، ويقول له: يا محروم أي شيء فاتك [[ذكر ذلك الأزهري في "تهذيب اللغة" (ولى) 15/ 448، والقرطبي في "الجامع" من غير نسبة 16/ 244.]]. وقال صاحب النظم: (أولى) مأخوذ من الويل [[ذكر ذلك القرطبي 16/ 244، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 6/ 153.]]، وللويل تصريف قد درج ولم يبق منه إلا الويل فقط وقد قال جرير: يَعْلَمْن بالأكْبارِ ويلاً وائلاً [[الويل: قال الليث هو حلول الشر، والويلة: البلية والفضيحة، وأصل الويل في اللغة: الهلاك والعذاب، انظر: "تهذيب اللغة" (ويل) 15/ 455، "اللسان" (ويل) 11/ 737. ولم أعثر على هذا الشطر من البيت.]] فقوله: أولى أفعل من الويل، إلا أن فيه قلباً، وهو أن عين الفعل وضع موضع اللام.