الباحث القرآني

طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ۚ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ
قوله: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ يرتفع بمحذوف، ورافعه إما قبله وإما بعده، فمذهب سيبويه [[انظر: "الكتاب" 2/ 136.]] والخليل أن المعنى: طاعة وقول معروف أمثل، والمعنى على هذا: أن الله تعالى قال: لو أطاعوا وقالوا معروفاً كان أمثل وأحسن، وهذا اختيار الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 13، وقد نقل قولي سيبويه والخليل، كما ذكرهما أيضًا النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 186، 187.]]. وهو على حذف الخبر، ويجوز أن يقدر الحذف ابتداء على تقدير: أمر بالطاعة وقول معروف، وهذا قول المبرد [[انظر: "الكامل" للمبرد 2/ 57.]]، واختيار ابن قتيبة وقال: هذا مختصر يريد قولهم قبل نزول القرض: سمع لك وطاعة [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 2/ 132.]]. المذهب الثاني: أن الكلام تم سط قوله: (فأولى)، وهو تهديد على ما ذكرنا، ثم ابتدأ فقال لهم: (طاعة وقول معروف) [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 308، "الدر المصون" 6/ 154.]]، وهو القول الحسن الذي يعرف حسنه وصحته، ويجوز على هذا القول أن يكون المعنى: للمنافقين طاعة وقول معروف باللسان، فإذا جد الأمر تبين كذبهم فيما قالوا بقعودهم عن نصرة النبي -ﷺ-، يدل على صحة هذا سياق الآية فيما بعد. المذهب الثالث: أن الآية الثانية التي هي قوله: طاعة متصلة بالآية الأولى في المعنى، والتقدير: فأولى لهم طاعة وقول معروف، وهذا معنى ما روي عن عطاء عن ابن عباس [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 286، وقد نسبه لابن عباس في رواية عطاء، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 244.]]: يريد كانت الطاعة أولى لهم، والمعنى على هذا: طاعة الله ورسوله وقول معروف بالإجابة أولى لهم، وهذا القول اختيار الكسائي [[ذكر ذلك في "الوسيط" 4/ 126.]]. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْر﴾ قال ابن عباس ومجاهد [[أخرج ذلك الطبري في "تفسيره" عن مجاهد 13/ 55، وذكره الماوردي في "تفسيره" من غير نسبة 5/ 301، والبغوي ولم ينسبه 7/ 286، وكذلك القرطبي في "الجامع" ولم ينسبه 16/ 244.]] ومقاتل: جد القتال عن حقائق الأمور [[انظر: "تفسير مقاتل" لكنه قال: عند دقائق الأمور 4/ 48.]]. وقال أبو إسحاق: جد الأمر ولزم فرض القتال [[انظر: "معانى القرآن للزجاج" 5/ 13.]]. قال أبو الهيثم: (عزم الأمر) هو فاعل بمعنى مفعول، وإنما يُعْزَم الأمر ولا يَعْزِم والعزم لإنسان لا للأمر، قال: وهذا كقولهم: هلك الرجل، وإنما أهلك [[ذكر ذلك الأزهري في "تهذيب اللغة" (عز) 2/ 152، و"اللسان" (عزم) 12/ 400.]]. وقال غيره: معنى عزم الأمر: انعقد الأمر بالإرادة أنه يفعله، فإذا عقد الأمر على أنه يفعل قيل: عزم الأمر [[ذكر نحوًا من هذا ابن فارس في "مقاييس اللغة" (عزم) 4/ 358.]] على طريق البلاغة. قال الفراء: معنى الآية: فإذا عزم الأمر نكلوا ولم يفعلوا [[هذا القول لم أجده في معاني الفراء عند هذه الآية 3/ 62. قال السمرقندي في تفسيره: فإذا عزم الأمر يعني: وجب الأمر وجد الأمر، كرهوا ذلك. انظر: 3/ 244، وقال الشوكاني: عزم الأمر: جد الأمر أي جد القتال ووجب وفرض. قال المفسرون: معناه إذا جد الأمر ولزم وفرض القتال خالفوا وتخلفوا. انظر: "فتح القدير" 5/ 38.]]، ونحو هذا قال ابن قتيبة (فإذا عزم الأمر) أي: جاء الجد كرهوا ذلك، فحذف الجواب [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 2/ 133.]]. وقال صاحب النظم قوله: (عزم الأمر) يقتضى جواباً ولم يذكر ذلك الجواب، فلما قال: (فلو صدقوا الله) كان هذا دليلاً على المضمر وهو أن يكون كذبوا [[ذكر قريبًا من هذا المعنى البغوي 7/ 286، وابن الجوزي "زاد المسير" 7/ 406.]] ومثله قوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ وقد مر [الشعراء: 63]. قوله: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ أي: في إيمانهم وجهادهم سمحوا بالطاعة والإجابة ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ من المعصية والكراهية، قاله ابن عباس [[ذكر نحوه الشوكاني في "فتح القدير" 5/ 38.]]. والمعنى: لكان الصدق خيراً لهم، فأضمر لدلالة صدقوا عليه.