الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ رجعوا كفاراً ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ يعني: اليهود، ظهر لهم أمر النبي -ﷺ- بنعته وصفته في كتابه، وكانوا يعرفونه لما دعاهم إلى دينه كفروا به. هذا قول الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 509.]] ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 49.]] وقتادة [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: "تفسيره" 13/ 58، وأورده الثعلبي في "تفسيره" ونسبه لقتادة 10/ 129/ ب، وكذلك البغوي نسبة لقتادة 7/ 287.]]. وقال السدي والضحاك: يعني المنافقين [[أخرج ذلك الطبري 13/ 58 عن الضحاك، ونسبة الثعلبي لابن عباس والضحاك والسدي. انظر: "تفسيره"10/ 129 ب، وكذلك نسبه إليهم البغوي في "تفسيره" 7/ 288، والقرطبي في الجامع 16/ 249.]]. ثم قال: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس: زين لهم القبيح [[ذكر ذلك البغوي ولم ينسبه. انظر: "تفسيره" 7/ 288، وقال القرطبي في "الجامع": زين لهم خطاياهم، ونسبه للحسن. انظر: "الجامع" 16/ 249.]]، وتفسير التسويل قد سبق في سورة [[قال الأزهري: قال الله جل وعز: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي زينت لكم أنفسكم أمرًا غير ما تصفون وكأن التسويل تفعيل من سول الإنسان، وهو أمنيته التي يتمناها فتزين لطالبها الباطل والغرور. انظر: "تهذيب اللغة" (سول) 13/ 66.]] يوسف [آية: 18: 83]. قوله: ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ يعني الإملاء في اللغة: الترفيه في العمر، والمد فيه [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 288، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 249.]] وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] قال مقاتل: يعني: وأمهل الله لهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 49.]]. وهذا قول أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 245، و"تنوير المقباس" ص 509، و"الجامع الأحكام القرآن" 16/ 249.]]، وقوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: 178] وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الحج: 44]، وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: 32]. والمعنى: لم يعجل عليهم العقوبة وأمهلهم موسعاً عليهم ليتمادوا في طغيانهم، جزاء لهم على ما فعلوا، وقرأ أبو عمرو: (وأملِيَ لهم) بضم الهمزة وفتح الياء على ما لم يسم فاعله. قال أبو الحسن الأخفش: هي خشنة في المعنى، يريد أن هذه القراءة فصل بين فعل الشيطان وفعل الله تعالى، حيث بني الفعل للمفعول ويعلم يقيناً أنه لا يؤخر أحد مدة أحد، ولا يوسع له فيها إلا الله سبحانه [[انظر: "الحجة" 6/ 194، 196، "الكشف" لمكي 2/ 278، ولم أقف عليه عند الأخفش.]] ففصل من حيث الرفع اللفظ، وعلى القراءتين يحسن الوقف على قوله (سول لهم) [[انظر: "القطع والائتناف" ص 667، "المكتفى" ص 525.]]، لا على قول الحسن، فإنه قال في قوله: (وأملى لهم) على قراءة العامة: مد لهم الشيطان في الأمل [[انظر قول الحسن في "القطع والائتناف" ص 667، "تفسير الماوردي" 5/ 303.]].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.