الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ
وقوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إذا دخلوا الجنة حياهم الله بما يحيون به، وأعطاهم ما أعطاهم، ثم يقال لهم تفرقوا إلى منازلكم فيتفرقون إليها، فلهُم أعرفُ بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم [[أخرج الطبري عن مجاهد وابن زيد نحو هذه الرواية. انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 44، وكذلك ذكر نحوه البغوي ونسبه لأكثر المفسرين. انظر: "تفسيره" 7/ 280، وكذلك ذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 321 ولم ينسبه، وذكره في "الوسيط " ولم ينسبه انظر: 4/ 121.]]. وقال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون، كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحداً [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد. انظر: "تفسيره" 13/ 44، وأورده الثعلبي في "تفسيره" 10/ 125 أ، وأورده البغوي في "تفسيره" 7/ 280.]]. هذا قول عامة المفسرين وأهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 58، "تفسير غريب القرآن" لابن قتية ص 409، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 465.]] وتلخيصه ما قال أبو عبيدة: (عرفها لهم): بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 214.]]، على أن مقاتل بن حيان جعل هذا تعريفًا باستدلال، فإنه يقول: بلغنا أن الملك الذي وكل بحفظ عمل ابن آدم يمشي في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة، فإذا دخل إلى منزله وأزواجه انصرف الملك عنه، فهذا تعريف بوساطة الملك [[ذكر ذلك أبو حيان في البحر المحيط ونسبه لمقاتل. انظر: البحر 8/ 75. وذكره الشوكاني مختصرًا ونسبه لمقاتل انظر: "فتح القدير" 5/ 31.]]، والأول تعريف من قبل الله تعالى، وروي عن سلمة بن كهيل أنه قال: (عرفها لهم) طرقها [[ذكر ذلك النحاس في "معاني القرآن" ونسبه لسلمة بن كهيل 6/ 466، وذكر معنى هذا القول الشوكاني في "فتح القدير" ولم ينسبه 5/ 31.]] وعلى هذا التعريف واقع على الطرق إلى الجنة، على معنى: إن الله يعرفهم طرقها حتى يهتدوا إليها، ويكون التقدير: عرف طرقها لهم، فحذف المضاف [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 231.]]. وقال الحسن: وصف الله الجنة في الدنيا لهم فإذا دخلوها عرفوها بصفتها [[ذكر ذلك الماوردي في "تفسيره" ونسبه للحسن 5/ 294، وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 288، ونسبه القرطبي للحسن. انظر: "الجامع" 16/ 231.]]. وعلى هذا القول هذا التعريف وقع في الدنيا. ويكون المعنى: يدخلهم الجنة التي عرفها لهم، واللام في (لهم) لام الأجل، وهذه الأقوال كلها من التعريف الذي هو واقع المعرفة. وروي عن ابن عباس قول آخر، قال عطاء: يريد طيبها لهم [[ذكر هذا القول الماوردي في "تفسيره"، ولم ينسبه 5/ 294، ونسبه في "الوسيط" لعطاء عن ابن عباس 4/ 121، وذكره البغوي ونسبه لعطاء 7/ 280.]]، وهذا القول اختيار المؤرج [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 125 أ.]] وأصحاب اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (عرف) 2/ 345.]] وأصله من العَرْف وهو الرائحة الطيبة، وطعام مُعرّف، أي: مطيب، وأنشدوا قول الأسود بن يعفر: فَتُدخِلُ أيدٍ في خناجرَ أُقْنِعت ... لِعَادتِها من الخَزِيرِ المُعَرَّفِ [[البيت استشهد به ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ولم ينسبه ص 410، وهو في "تهذيب اللغة" منسوب للأسود بن يعفر 2/ 345، ومعنى أقنعت: مدت ورفعت للفم والخزير: الحساء من الدسم. وقد استشهد بالبيت الثعلبي في "تفسيره" ولم ينسبه 10/ 125 أ.]] وعلى هذا معنى الآية: طيبها لهم بما خلق فيها من الروائح الطيبة، وقال بعض أهل المعاني: طيبها لهم بضروب الملاذ التي تتقبلها النفس تقبل ما تعرفه ولا تنكره [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 6/ 466، و"زاد المسير" 7/ 398، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 231.]]، وروى أبو العباس عن بعضهم في قوله: (عرفها لهم). قال: هو وضع الطعام بعضه على بعض من كثرته، وخزير معرَّف بعضه على بعض [[أنظر: قول أبي العباس في "تهذيب اللغة" (عرف) 2/ 345، وفي "الجامع لأحكام القرآن" من غير نسبة 16/ 231.]]، وعلى هذا القول هو من العُرْف المتتابع كعُرْف الفرس.