الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ قال الكلبي: يعني: كفار قريش [[قال في "تنوير المقباس": (أبطل حسناتهم ونفقاتهم يوم بدر) ص 507.]]، وقال قتادة: هي للكفار خاصة [[أخرج الطبري عن قتادة قال: هي عامة للكفار 13/ 46.]]، وهذا أشبه لأن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ يعم المؤمنين كلهم، كذلك ما بعده من حكم الكفار، ومعنى التَّعْس في اللغة: قال النضر: التعس: الهلاك. وتعس: هلك [[انظر: "تهذيب اللغة" (تعس) 2/ 78.]]. وقال أبو الهيثم: تعس يتعس معناه: انكب وعثر فسقط على يديه، وأتعسه الله [[انظر: "اللسان" (تعس) 6/ 32.]]. وقال أبو إسحاق: التعس في اللغة: الانحطاط والعثور [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 8.]]. وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة: تعسه الله وأتعسه في باب فعَلت وأفعلت بمعنى واحد، قال شمر: لا أعرف: تعسه الله، ولكن يقال: تعس بنفسه وأتعسه الله، وذكر عن الفراء قال: يقال تَعَسْتَ، إذا خاطبت الرجل. فإذا صرت إلى أن تقول فَعَل قلت: تعِس بكسرالعين، قال شمر: وهكذا سمعته في حديث عائشة: تعس مسطح [[أخرج ذلك البخاري عن عائشة رضي الله عنها. انظر: "صحيح البخاري"، كتاب التفسير باب 25، ومن سورة النور 5/ 332.]]، وأنكر شميل، وأبو الهيثم: تعس بكسر العين. قال ابن شميل: تقول العرب: تَعِسَ فما انتعش وشيكَ فلا انْتَقَشْ إذا دعيت [[نص الحديث عند البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ..). انظر: "صحيح البخاري" كتاب الجهاد والسير، باب 70، الحراسة في الغزو في سبيل الله 3/ 222.]] على إنسان، وأنشد [[انظر: هذا النص من قوله: روى أبو عبيد عن أبي عبيدة في "تهذيب اللغة" (تعس) 2/ 78 وانظر: "اللسان" (تعس) 6/ 32.]] أبو الهيثم بيت الأعشى: فالتَّعْسُ أَدْنَى لهَا من أنْ أَقول لَعَا [[انظر: "ديوان الأعشى" ص 105، و"تهذيب اللغة" (تعس) 2/ 79، "اللسان" (تعس) 6/ 32، والكشاف 3/ 454، وقال في مشاهد الإنصاف: يقال للعاثر لعا لك، دعاء له بالانتعاش وتعسًا لك دعاء عليه بالسقوط، يريد أنها لا تعثر ولو عثرت فالدعاء عليها أحق بها من الدعاء لها. انظر: "مثساهد الإنصاف على شواهد الكشاف" ص 76.]] قال: ولا يجوز تعس، ولو جاز لقال: فالتعس أدنى لها، هذا قول أهل اللغة في تفسير التعس وتعريفه. وأما المفسرون، فقال ابن عباس: يريد في الدنيا العثرة وفي الآخرة التردي في النار [[ذكر ذلك أبو حيان في البحر منسوبًا لابن عباس لكن بلفظ: (في الدنيا القتل ..). انظر: البحر المحيط 8/ 76، وذكره البغوي في "تفسيره" ولم ينسبه. انظر: "تفسيره" 7/ 281، ونسبه الزمخشري لابن عباس لكن بلفظ: (في الدنيا القتل وفي الآخرة التردد في النار). انظر: "الكشاف" 3/ 454.]]. وقال مقاتل: فنكسًا لهم. قال: ويقال: فخيبة لهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 45.]]، وهو قول الضحاك [[ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 281، والقرطبي في "الجامع" 16/ 232.]]، وقال أبو العالية: سقوطًا لهم [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 125 أ، والبغوي في "تفسيره" 7/ 281.]]، وقال ابن زيد: شقاء [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 125 أ، والبغوي في "تفسيره" 7/ 281، والقرطبي في "الجامع" 16/ 232.]]. وقال ابن جرير: فخزياً وبلاء [[انظر: "جامع البيان" للطبري 13/ 45.]]. وقال المبرد: فمكروهًا لهم وسوءًا قال: وإنما يقال هذا لمن دُعي عليه بالشر والهلكة [[لم أقف على هذا القول.]]. وأما إعراب الآية ونظمها فقال أبو إسحاق: (الذين) في موضع رفع على الابتداء ويكون: (فتعسًا لهم) الخبر [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 8.]]، قال صاحب النظم: موضع الفاء جزم على الجزاء؛ لأنه منسوق على قوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ وإنما جاء بالفاء في الجواب؛ لأن ذلك لم يوجبه عليهم إلا بشريطة الكفر، وهذا الذي قال صاحب النظم قد تقدم شرحُه في مواضع، منها قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: 274] إلى قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ﴾ [البقرة: 184] ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: 95] وانتصب (تعسًا) على الدعاء كما تقول: سقياً له ورعياً، على معنى: سقاه الله سقياً، ورعاه رعياً، كذلك هاهنا تعسهم الله تعساً على قول أبي عبيدة وعلى قول غيره: أتعسهم الله فتعسوا تعساً [[انظر: "تهذيب اللغة" (تعس) 2/ 79، "الدر المصون" 6/ 148.]]، ولهذا التقدير عطف بقوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ على ﴿فَتَعْسًا﴾ لأن التقدير: فأتعسهم الله وأضل أعمالهم، قاله الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 58.]].