الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، ومعنى هذا الفتح، فذهب الأكثرون إلى أن الآية نزلت في صلح الحديبية، والمراد بالفتح ذلك الصلح، وهو قول جابر والبراء وأنس [[أخرج ذلك البخاري عن أنس، انظر: "صحيح البخاري" كتاب: التفسير باب [1] ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ 6/ 43، وأخرجه الثعلبي عن جابر وعن البراء، انظر: "تفسيره" 10/ 132 ب، وانظر: "تفسير ابن عطية" 15/ 86، "تفسير البغوي" 7/ 296، "البحر المحيط" 8/ 89.]] في رواية قتادة. وروي ذلك مرفوعًا وهو أن النبي -ﷺ- لما انصرف من الحديبية وأنزلت عليه هذه السورة قرأها على أصحابه فقال عمر: أوَفتحٌ هو يا رسول الله؟ فقال: "نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح" [[أخرج ذلك الطبري 13/ 70 عن أبي وائل، وانظر: "تفسير الوسيط" 4/ 133.]]. وروي عن مسور بن مخرمة أنه قال: نزلت بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها [[أخرج ذلك الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، انظر: "المستدرك" 2/ 459، و"لباب النقول" للسيوطي ص 193.]]، وهو قول الشعبي، ومجاهد، وابن عباس [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 71، الماوردي 5/ 309، البغوي 7/ 296، "زاد المسير" 7/ 419، "تنوير المقباس" ص 511، "المغازي" للواقدي 2/ 617.]] في رواية الكلبي: قال كان فتحاً بغير قتال، والصلح من الفتح، واختاره الفراء، وقال: الفتح قد يكون صلحاً [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 64.]] فعلى قول هؤلاء معنى هذا الفتح هو صلح الحديبية، ومعنى الفتح في اللغة: فتح المنغلق [[انظر: "تهذيب اللغة" (فتح) 4/ 455، "اللسان" (فتح) 2/ 539.]]. والصلح الذي حصل بينه وبين المشركين في ذلك اليوم كان مسدوداً عليه متعذراً حتى فتحه الله ذلك اليوم ويسره، ودخل بعد ذلك ناس كثير في الإسلام حتى قال جابر: ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية [[أخرج ذلك الطبري 13/ 70 عن جابر، ونسبه القرطبي 16/ 260 لجابر، ونسبه في "الوسيط" 4/ 133 لجابر.]]، وقال الشعبي: أصاب النبي -ﷺ- في ذلك الوجه ما لم يصب في وجه، بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس [[ذكر ذلك الطبري في "تفسيره" 13/ 71، الماوردي 5/ 309، البغوي 7/ 296، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 418، والقرطبي في "الجامع" 16/ 260.]]. وقال الزهري: ما كان في الإسلام فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام [[ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 296، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 419 ، والقرطبي في "الجامع" 16/ 261، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 133.]]. وقال الضحاك: فتحنا لك فتحاً بغير قتال، وكان الصلح من الفتح [[ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 296 عن الضحاك، وكذلك ذكره القرطبي عن الضحاك 16/ 260.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: اليهود شمتوا بالنبي -ﷺ- والمسلمين لما نزل قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 9] وقالوا: كيف نتبع من لا يدري ما يفعل به ولا بمن آمن به وصدَّقه، واشتد ذلك على النبي -ﷺ- فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: يريد: قضينا لك قضاء واجباً [[ذكر ذلك الثعلبي ونسبه لمقاتل بن سليمان، انظر: "تفسيره" 10/ 133 أ، ونسبه القرطبي 16/ 259 للضحاك عن ابن عباس، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 65، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 403 عن عطاء عن ابن عباس.]]، ونحو هذا قال مقاتل في سبب النزول سواء [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 65.]]. وقال أهل التفسير: قضينا لك قضاء مبيناً، يعني: الإسلام، وهو قول قتادة، واختاره الزجاج، وقال معناه: حكمنا لك بإظهار دين الإسلام والنصرة على عدوك [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 19.]]، فهذا الفتح في الدين وهو الهداية إلى الإسلام ودليل ذلك قوله تعالى: