الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ قال المفسرون: يعني بيعة الرضوان، وكانت بالحديبية تحت الشجرة، وكان المسلمون يومئذ ألفاً وأربعمائة رجل بايعوا النبي -ﷺ- على أن يقاتلوا ولا يفروا [[وهذا ثابت في الحديث الصحيح عند مسلم من حديث جابر، انظر: "صحيح مسلم" كتاب: الإمارة باب (18) استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة 2/ 1483، وانظر: "الطبري" 13/ 76، "البغوي" 7/ 299، "تفسير الوسيط" 4/ 136، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 266.]]. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ لأن تلك البيعة طاعة لله وتقرباً إليه، باعوا أنفسهم من الله تعالى بالجنة كما ذكر في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [التوبة: 111] والعقد كان مع النبي -ﷺ-، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال أكثر المفسرين: يد الله بالوفاء لهم بما وعدهم من الخير فوق أيديهم بالوفاء والعهد حين بايعوك، وهذا قول ابن عباس ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 70، "تفسير البغوي" وقد نسبه لابن عباس 7/ 300، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 22.]] واختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 65.]] ومعناه: الله أوفى منهم كما قال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [التوبة: 111]. وقال الكلبي: نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا [[ذكر ذلك الثعلبي 10/ 135 ب، البغوي 7/ 300، والقرطبي 16/ 267.]]، واختاره الزجاج فقال: يد الله في المنة بالهداية فوق أيديهم في الطاعة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 22.]]، أي: إحسان الله تعالى إليهم بأن هداهم للإيمان أبلغ وأتم من إحسانهم إليك بالنصرة والبيعة. وقال ابن كيسان: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 135 ب، والقرطبي 16/ 268، و"الفخر الرازي" 28/ 78، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 136.]]، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [[ذكر الثعلبي رواية ابن عباس بلفظ: يد الله بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم بالوفاء، انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 135 ب.]]، والمعنى على هذا: ثق بنصرة الله لك، لا بنصرتهم وإن بايعوك [[ذكر الإمام ابن جرير في "تفسيره" أقوال المؤولين في صفة اليد ورجح مذهب السلف وهو: أنها صفة من صفاته هي يد غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم، انظر: "تفسير الطبري" 4/ 301، وقال البغوي عند تفسير آية المائدة: ويد الله صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه، وقال جل ذكره: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقال النبي -ﷺ-: "كلتا يديه يمين" والله أعلم بصفاته، على العبد فيها الإيمان والتسليم. وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: أمروها كما جاءت بلا كيف انظر: "تفسير البغوي" 3/ 76. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر وجوب الإيمان بصفة اليد وعدم تأويلها ونقل كلام المتقدمين من سلف الأمة قال: ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفوها عن ظاهرها فلو كان التأويل سائغًا لكانوا أسبق إليه لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة انظر: "مجموع الفتاوى" 5/ 90.]]. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾ أي: نقض ما عقد من البيعة ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: يرجع ضرر ذلك النقض عليه، قال ابن عباس: وليس له الجنة [[ذكر ذلك في "الوسيط" عن ابن عباس، انظر 4/ 136.]]، ﴿وَمَنْ أَوْفَى﴾ أي: ثبت على الوفاء، ﴿بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ من البيعة ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة، قال ابن عباس: والعِظَم لا يوصف [[لم أقف عليه.]].