الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾. قال المفسرون: إن رسول الله -ﷺ- لما أراد الخروج إلى مكة عام الحديبية استنفر مَنْ حول المدينة من أعراب غفار [[هم: بنو غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، كانوا حول مكة، ومن مياههم: بدر، ومن أوديتهم: ودان، انظر: "معجم قبائل العرب" لكحالة 3/ 890.]] ومزينة [[هم: بنو مر بن أن بن طابخة بن إلياس بن مضر، واسم ولده: عثمان وأوس، وأمهما: مزينة فسمي جميع ولديهما بها. كانت مساكن مزينة بين المدينة ووادي القرى، ومن ديارهم وقراهم: فيحة الرَّوحاء، العمق، الفُرع، انظر:"معجم قبائل العرب" لعمر رضا كحالة 3/ 1082.]] وجهينة وأسلم [[هم: بطن من خزاعة من القحطانية وهم بنو أسلم بن قصي بن حارثة بن عمرو بن مزيقيا منهم الحجاج بن مالك بن عويمر الأسلمي الصحابي من قراهم وَبْرة وهي: قرية ذات نخيل من أعراض المدينة. انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 48، "معجم قبائل العرب" 1/ 26.]]، فقعدوا عنه وقالوا: فيما بينهم: نذهب معه إلى قوم جاؤوه فقتلوا أصحابه نخرج إليهم فنقاتلهم في دارهم، فأخبر الله تعالى نبيه بما يقول له هؤلاء، إذا عاد إليهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ وهم الذين خلفهم الله عن صحبة نبيه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 135 ب، "تفسير أبي الليث" 3/ 254، "البغوي" 7/ 300، "القرطبي" 16/ 268، "تفسير الوسيط" 4/ 137.]] -ﷺ-، ولم يقل: المتخلفون، تحقيقاً أن تخلفهم [كان بغضاً الله، وأنا الذي خلفهم] [[كذا رسمها بالأصل، ولعل الصواب: (كان بغضًا من الله لهم وأنه الذي خلّفهم).]]. وقوله: ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ يعني: القبائل الذي ذكرنا (شغلتنا) عن الخروج معك ﴿أَمْوَالُنَا﴾ أي: لم يكن لنا من يقوم بها ويكفينا أمرها. قوله: ﴿وَأَهْلُونَا﴾ يعنون: النساء والذراري، أي لم يكن من يخلفنا فيهم وهو جمع أهل، وأهل الرجل أخص الناس به [[انظر: "تهذيب اللغة" (أهل) 6/ 417.]]، ويقال: أهل وأهلون وأهال وأهلة وأهلات [[انظر: "لسان العرب" (أهل) 11/ 28.]]، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [التحريم: 6]. وأنشد المفضل: وأَهْلَةِ وُدِّ قد تَبَرّضْتُ وُدَّهُم ... وأَبْلَيْتُهُم في الحَمْدِ جُهْدِي ونَائِلِي [[الأهل: أهل الرجل وأهل الدار وكذلك الأَهْلة، قال ابن سيده: أهل الرجل: عشيرته وذوو قرباه، والجمع أهلون وآهال وأهال وأهْلات وأهَلات، والشاهد من البيت: وأهْلةِ وُدٍّ، وقد ورد هذا البيت في "اللسان" منسوبًا لأبي الطمحان، وفيه: تبريت ودهم، انظر: "اللسان" (أهل) 11/ 28.]] وأنشد في الأهلات: فَهُم أَهَلاتٌ حَوْلَ قَيْسِ بن عَاصم ... إذا أَدْلَجُوا باللَّيلِ يَدْعُونَ كَوْثَرا [[الشاهد قوله: أهَلاتٌ، والإدلاج: السير في الليل، والبيت للمخبل السعدي، انظر: "اللسان" (أهل) 11/ 28. واسمه: ربيعة بن مالك، وهو من بني شماس بن لأي بن أنف الناقة، هاجر هو وابنه إلى البصرة، وولده كثير بالأحساء وهشام شعراء، انظر: "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 269.]] قال الفراء: والأهل يجوز أن يكون واحداً وجمعاً [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 65.]]. قوله: ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ أي: تخلفنا عنك، أي: سل ربك أن يغفر ذلك لنا فإنا كنا معذورين، قال ابن عباس: ولم يكن شغلهم إلا الشك في الله، يعني: أنهم شكوا في نصرة الله رسوله، فكذبهم الله في قولهم (فاستغفر لنا) [[لم أقف عليه.]]. وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ قال مقاتل: أي: من أمر الاشغفار لا يبالون استغفر لهم النبي أم لا [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 71.]] ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قال ابن عباس: يريد: من يمنعكم من الله [[ذكر السمرقندي قريبًا من هذا المعنى ولم ينسبه، انظر: "تفسيره" 3/ 254، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس، انظر 4/ 137.]]، وهذا مفسَّر في سورة المائدة [[هو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: 76].]] وغيرها. قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ وقرئ: ضُرّاً، والضَّر بالفتح: خلاف النفع، وبالضم سوء الحال، كقوله: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: 84] قال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يكونا لغتين، كالفَقْر والفُقْر، والضَّعْفَ والضُّعْف [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 202، والضم قراءة حمزة والكسائي، وقرأ الباقون بالنصب.]]. قال ابن عباس: هو العذاب [[نسب القرطبي لابن عباس بلفظ: الهزيمة، انظر: "الجامع" 16/ 268، وقال في "تنوير المقباس"، قتلًا أو هزيمة، انظر ص 512.]]. وقال مقاتل: يعني: سوءاً، وهو الهزيمة [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 71.]]. قوله تعالى: ﴿أو نفعًا﴾ قال ابن عباس: يريد الغنيمة [[قال القرطبي في "الجامع" نصرًا أو غنيمة. ولم ينسبه 16/ 269، وذكر ذلك في "الوسيط"، ولم ينسبه، انظر 4/ 137.]]، ومعنى هذا الكلام الرد عليهم حين ظنوا أن تخلفهم عن النبي -ﷺ- يدفع عنهم الضر ويعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، ثم قال: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي: عالماً بما كنتم تعملون في تخلفكم ثم أَعَلَمَ أنهم إنما تخلفوا عن الخروج مع النبي -ﷺ- بظنهم ظن السوء.