الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا
﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، واختلفوا في الجالب لهذه اللام في (ليغفر) فالذين قالوا: هذا الفتح في الدين ومعناه الحكم له بالإسلام والهداية، تتعلق اللام بالفتح، لأن سبب مغفرة الذنب هو الدين والإسلام، فكأنه قال: هديناك للدين ليغفر لك، وهذا معنى قول الحسن [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 133 أ، "الدر المصون" 6/ 159، "تفسير الوسيط" 4/ 133.]]: فتح الله عليك الإسلام ليغفر لك الله، وأبي إسحاق. ومن ذهب إلى أن المراد بالفتح صلح الحديبية، ذكر في اللام وجوهاً أحدها: ما قال أبو حاتم: وهو أنه قال هذه اللام لام اليمين، كأنه قال ليغفرن الله لك، فحذفت النون وكسرت اللام، فأشبهت في اللفظ لام كي [[أورد ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 133 ب، وانظر: "تفسير الوسيط" 4/ 134، "الدر المصون" 6/ 159.]] فنصبوا كما نصبوا بلام كي، واحتج بأن العرب تقول في التعجب: أطرف بزيد، فيجزمونه لشبهه بلفظ الأمر، قال ابن الأنباري: هذا الذي قاله أبو حاتم غلط، لأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها، ولو جاز أن يكون معنى (ليغفر): ليغفرن، لقلنا: ليقوم زيد بتأويل: والله ليقومن، وهذا معدوم في كلام العرب، وليس هذا بمنزلة: أطرف بزيد؛ لأن التعجب عدل به إلى لفظ الأمر، ولام القسم لم توجد مكسورة قط [[أورد ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 262، والشوكاني في "فتح القدير" 5/ 44.]]. ثم قال: سألت أبا العباس عن اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ فقال هي لام كي معناها: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً لكي يجتمع لك مع المغفرة [كا] [[كذا في الأصل زيادة (كما) وليس لها معنى.]] تمام النعمة في الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع حسن معنى كي [[ذكره بنصه ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 423، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 134.]]، وقال ابن جرير وصاحب النظم: هذا مقتص من قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: 3] أعلمه أنه إذا جاءه الفتح واستغفر غفر له [[انظر: "تفسير ابن جرير" 13/ 68، "تفسير الثعلبي" 10/ 333 أ.]]، والقول ما قال أبو العباس. وقوله: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ قال مقاتل: يعني ما كان في الجاهلية وما تأخر بعد النبوة [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 66.]]. وروي عن ابن عباس: أي ط كان عليك من إثم الجاهلية وما تأخر مما يكون، وهذا على طريقة من جوز الصغائر على الأنبياء [[هذا بنصه في "تفسير الثعلبي" 10/ 133 أ، "تفسير البغوي" 7/ 297، "زاد المسير" 7/ 423، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 262.]]. وقال عطاء الخراساني: (ما تقدم من ذنبك) يعني: ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، (وما تأخر) يعني: من ذنوب أمتك بدعوتك [[ذكر ذلك الثعلبي 10/ 133 أ، البغوي 7/ 298، والقرطبي 16/ 263.]]، وهذا القول يمكن توجيهه على بُعْد، وهو أن يحمل قوله (من ذنبك) على حذف المضاف بتقدير: من ذنب أبويك، ويحمل قوله (ما تأخر) على ذنوب أمته، ويبين هذا القول أنه لا ذنب له بعد النبوة، فإذا حكمنا ببراءته من الذنب، حمل الذنب المضاف إليه على الوجه الذي يصح وجوده وهو ما ذكرنا [[ذكر ذلك الثعلبي 10/ 133 أ.]]. وقال سفيان الثوري: ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ ما عملت في الجاهلية وما تأخر، يعني: ما لم تعمله [[ذكر ذلك الثعلبي، والبغوي، والقرطبي، والمؤلف في "الوسيط"؛ المواضع السابقة.]]، هذا كلامه، يقال على هذا ما لم يعمله كيف يوصف بأنه يغفره ولم يعمله بعد؟ والجواب: أن هذا يذكر على طريق التأكيد والإمكان، كما تقول: أعطى من رآه ومن لم يره، وضرب من لقيه ومن لم يلقه [[ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" 7/ 298.]]، وليس يمكن أن يضرب من لم يلقه ولا أن يعطيه، ولكنه يذكر تأكيداً للكلام على معنى: أنه كان يضربه إن أمكنه، كذلك في الآية غفر المتقدم والمتأخر لو وجد. قوله تعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ قال ابن عباس: في الجنة وروي عنه أي: بالنبوة والمغفرة، والمعنى: ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم وهو الإسلام [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 298 من غير نسبه، وذكر ابن الجوزي القولين ونسبهما لابن عباس 7/ 423، ونسبهما القرطبي لابن عباس 16/ 263، ونسبهما في "الوسيط" لابن عباس، انظر 4/ 134.]].