الباحث القرآني

وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا
ثم ذكر سائر المغانم التي يأخذونها فيما يأتي من الزمان فقال: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ قال مقاتل: أي مع النبي -ﷺ- ومن بعده إلى يوم القيامة [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 73، 74.]] وهذا قول الجميع [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 95، "تفسير الثعلبي" 10/ 138 ب، "تفسير البغوي" 7/ 306، "زاد المسير" 7/ 435، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 278.]] ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ يعني: غنيمة خيبر. ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ قال المفسرون: لما رجع رسول الله -ﷺ- من الحديبية إلى المدينة أقام بها بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم سنة سبع إلى خيبر، وحاصر أهلها فهمت حلفاء يهود خيبر من أسد وغطفان ويهود المدينة أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم، وهذا قول قتادة [[أخرج ذلك الطبري 13/ 90 عن قتادة، ونسبه الثعلبي 10/ 138 ب، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 277 لقتادة.]] ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 74.]]، وقال عطاء عن ابن عباس: أراد بالناس أهل مكة [[ذكر ذلك بغير نسبة: الطبري 13/ 90، والثعلبي 10/ 138 أ، والماوردي 5/ 317، والبغوي 7/ 306.]]. قوله: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ولتكون هزيمة هؤلاء الذين هموا بذراري المسلمين وسلامتكم آية للمؤمنين على صدقك ونبوتك، وهذا معنى قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 74.]]. وقال مقاتل بن حيان وقتادة: وليكون كف أيديهم عن عيالكم عبرة للمؤمنين [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة، وانظر: "تفسير الماوردي" 5/ 317، "زاد المسير" 7/ 436، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 279.]]، وأجود القولين أن يكون المعنى: ولتكون هذه التي عجلها لكم آية للمؤمنين على صدقك حيث وعدتهم أن يصيبوها [[ذكر ذلك السمرقندى في "تفسيره" 3/ 256، (8) الماوردي، وابن الجوزي، والقرطبي.]]. وذلك أنا إن قلنا: ولتكون الهزيمة، كان إخباراً عما لم يجر له ذكر، إذ الهزيمة لم تذكر، وإن قلنا: وليكون كف أيدي الناس آية، وجب أن يقال: وليكون بالياء، لأن الكف مصدر مذكر، والواو في (ولتكون) مقحمة على مذهب الكوفيين، وعلى مذهب البصريين الواو عاطفة على مضمر بتقدير: وكف أيدي الناس عنكم لتشكروه ولتكون آية للمؤمنين [[ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 279، وأبو حيان في "البحر" 8/ 97.]]. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: يزيدكم هدى بالتصديق لمحمد ولما جاء به مما ترون من عدة الله في القرآن بالفتح والغنيمة، وهذا قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 74.]]. وقال غيره: ويهديكم صراطاً مستقيماً يعني: طريق التوكل والتفويض [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 91، "الثعلبي" 10/ 138 ب، "زاد المسير" 7/ 436.]]، وذلك أنه لما جاءهم أمر من هم بهم من عدوهم، وكان بذلك هادياً لهم إلى طريق التوكل حتى يتوكلوا على الله فيما نابهم فيكفيهم كما كفاهم هذا من غير سعي منهم.