الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا
ثم ذكر سنته بالمحاجزة بين الفريقين، فقال: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ} قال ابن عباس: يريد: أيدي أهل مكة، وذلك أن المشركين جاءوا يصدون رسول الله -ﷺ- عن البيت وعليهم عكرمة ابن أبي جهل، فبعث رسول الله -ﷺ- خالد بن الوليد إليه ومعه خيل المسلمين فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، وكان يومئذ بينهم قتال بالحجارة، وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة وعطاء والكلبي [[أخرج ذلك الطبري 13/ 94 عن عكرمة، وكذلك نسبه الثعلبي 10/ 143 أ، وانظر: "تنوير المقباس" ص 514.]]، ونحو هذا قال مقاتل قال: كانوا قد خرجوا يقاتلون النبي -ﷺ- فهزمهم بالطعن والنبل، حتى أدخلهم بيوت مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 75.]]، فمعنى قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾: يعني: حتى لم تقتلوا منهم ببطن مكة، قال عطاء: يريد: الحديبية [[أخرج الطبري 13/ 94 عن قتادة، قال: بطن مكة الحديبية، ونسب ابن الجوزي 7/ 438 هذا القول لأنس، وأورده القرطبي 16/ 282 ولم ينسبه.]]. وقال مقاتل: يعني: ببطن أرض مكة كلها، والحرم كله مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 75]]. وقال الكلبي: يعني: جوف مكة، وبكة الأرض التي فيها البيت، ومكة التي فيها الحديبية اسم الأرض، هذا كلامه [[ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" أن بكة المسجد والبيت، ومكة: اسم للحرم كله، قاله الزهري وضمرة بن حبيب، انظر: "زاد المسير" 1/ 425. وذكره القرطبي في "الجامع" أن بكة: موضع البيت، ومكة سائر البلد، عن مالك ابن أنس، وقال محمد بن شهاب: بكة المسجد، ومكة الحرم كله تدخل فيه البيوت، قال مجاهد: بكة هي مكة فالميم على هذا مبدلة من الباء، كما قالوا: طين لازِبٌ ولازم، وقال الضحاك والمؤرج، انظر: "الجامع" 4/ 138.]]، والحديبية: من الحل [[قال الشافعي في "الأم" 2/ 218: ونحر -ﷺ- في الحل، وقد قيل في الحرم، وإنما == ذهبنا إلى أنه نحو في الحل، وبعضها في الحرم، لأن الله -عز وجل- يقول: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ والحرم كله محله عند أهل العلم، وانظر: "أحكام القرآن" للشافعي 2/ 131، ونقل ابن القيم في "زاد المعاد" 3/ 303 عن الشافعي أن الحديبية بعضها في الحل، وبعضها في الحرم 3/ 303.]]، وعلى ما ذكروا اسم مكة يجب أن يكون واقعاً على الحل والحرم. قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ يريد: أن الظفر كان للنبي -ﷺ- على أهل مكة، والمعنى: أن الله تعالى يذكر منته بحجزه بين الفريقين حتى لم يقتتلا، وحتى اتفق بينهم الصلح الذي كان أعظم من الفتح، وسلم للرجل من بينه وبينه قرابة، ومن هو مؤمن من أهل مكة أن يصاب، وهذا قول عامة المفسرين. وقال عبد الله بن المغفل: بينا نحن بالحديبية، وكتاب الصلح يكتب بين يدي رسول الله -ﷺ- إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم النبي -ﷺ- فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله -ﷺ-: "هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد أمانة"، قالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم، فأنزل الله هذه الآية [[أخرج ذلك النسائي في "السنن الكبرى"، كتاب: التفسير 6/ 464، وأخرج الطبري في "تفسيره" 13/ 94، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" كتاب: التفسير 2/ 460، وقال حديث صحيح، على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال الهيثني في "مجمع الزوائد" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، انظر: "مجمع الزوائد" 6/ 145، وأخرجه البغوي في "تفسيره" 7/ 313.]]. وقال أنس: إن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله -ﷺ- وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم فأخذهم رسول الله -ﷺ- ثم أعتقهم فأنزل الله هذه الآية [[أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب (46) قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ 2/ 1442 رقم 1808. وأخرجه الطبري 13/ 94، البغوي 7/ 313.]]، ثم ذكر سبب منعه رسول الله -ﷺ- ذلك العام عن دخول مكة في قوله: