الباحث القرآني

هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: كفار مكة ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أن تحلوا من عمرتكم وتطوفوا به [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 320، "زاد المسير" 7/ 440، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 283، "تفسير مقاتل" 4/ 75.]] ﴿وَالْهَدْيَ﴾ منصوب ... ... ... [[غير واضحة في الأصل عليها آثار مسح، لكن في "معاني القرآن" للزجاج عبارة مطابقة للصورة الموجودة وهي: الهدي منصوب سبق على الكاف والميم المعنى وصدوا الهدي، انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 27، وقال في "الدر المصون" 6/ 163، ﴿وَالْهَدْيَ﴾ العامة على نصبه والمشهور أنه نسق على الضمير المنصوب في ﴿صَدُّوكُمْ﴾ وقيل: نصب على المعية، وفيه ضعف لإمكان العطف.]] المعنى وصدوا الهدي. وقال ابن عباس: يعني البدن التي ساقها رسول الله -ﷺ- وكان قد ساق معه سبعين بدنة [[أخرج الطبري 13/ 95 - 96 عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة أن هديه كان سبعين بدنة، وأخرجه عنهما أيضًا البغوي 7/ 313.]]، بدنة بين عشرة، وبقرة بين سبعة، وقال مقاتل: كان النبي -ﷺ- أهدى عام الحديبية مائة بدنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 75 وقد أشار إلى القول: بأنها سبعين بدنة، كما أشار السمرقندي 3/ 257 إلى القولين جميعًا.]]. قوله تعالى: (معكوفاً) قال المفسرون: محبوساً، والعكف: الحبس، يقال: عكفه يعكفه عكفاً، إذا حبسه، وعكفت القوم عن كذا، أي: حبستهم، ويقال: إنك لتعكفني عن حاجتي، أي: تصرفني [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 95، وتفسير السمرقندي 3/ 257، "تفسير البغوي" 7/ 320، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 283.]]، قال الأزهري: يقال: عكفته عكفاً فعكف عكوفاً [[انظر: "تهذيب اللغة" عكف 1/ 321.]]، وهو لازم وواقع، كما يقال: رجعته فرجع، إلا أن المصدر اللازم العكوف، ومصدر الواقع العكف. قوله: ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ قال الزجاج: موضع (أن) منصوب على معنى وصدوا الهدي محبوساً عن أن يبلغ محله [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 27.]]. قال مقاتل: يعني منحره [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 75.]]، وهو الحرم كله. ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ يعني: المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة بين ظهراني الكفار وهم كالوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل [[أبو جندل بن سهيل بن عمرو بن عامر بيب لؤي، وأبوه سهيل بن عمرو الذي بعثته قريش إلى رسول الله -ﷺ- في صلح الحديبية، ولما اتفق مع رسول الله -ﷺ- على الصلح جاء ابنه أبو جندل يوسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله -ﷺ- فلما رأى سهيل ابنه أبا جندل أخذه وقال: يا محمد قد تمت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: "صدقت"، وأخذه ليرده إلى قريش، فصاح أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين ليفتنوني في دينى؟ فقال رسول الله -ﷺ-: "احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا" توفي رحمه ألله سنة 23 هـ، انظر: "الكامل" لابن الأثير 2/ 138، 3/ 41.]] بن سهيل وأشباههم (تعلموهم) أي: لم تعرفوهم كقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: 60]، قال مقاتل: لم تعلموهم أنهم مؤمنون [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 75.]]. قوله: ﴿أَنْ تَطَئُوهُم﴾ أي: بالقتل وتوقعوا بهم، يقال: منه وطِئت القوم أي: أوقعت بهم، ومنه قول الشاعر: ووطِئَتْنَا وَطْأً على حَنَقٍ ... وطْأَ المُقَيَّدِ يابِسَ الهَرْمِ [[البيت: لزهير، انظر: "تهذيب اللغة" (هرم) 6/ 296، "اللسان" (هرم) 12/ 607، "الدر المصون" 6/ 164.]] قال أبو إسحاق: موضع (أن) رفع بدل من رجال، المعنى: لولا أن تطأوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 27.]]. قوله: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ قال مقاتل وابن زيد: إثم [[انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 320، "تفسير البغوي" 7/ 320، "زاد المسير" 7/ 440، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 286، وقد نسب كل منهم هذا القول لابن زيد، ولم أجده في "تفسير مقاتل".]]، قال أبو عبيدة وابن هانئ: المعرفة: الجناية، أي: جناية كجناية العَرِّ وهو الجَرَب [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 217، "تهذيب اللغة" (عر) 1/ 99 ، "فتح القدير" للشوكاني 5/ 54.]]. وقال النضر: يقال عَرَّه بشر، أي: ظلمه وشتمه وأخذ ماله. وقال شمر: المعرفة التي كانت تصيب المؤمنين أنهم لو كبسوا [[قال في "تهذيب اللغة" (كبس) التكْبِيسُ: الاقتحام على الشيء تقول كبَّسُوا عليهم 10/ 80.]] أهل مكة وبين ظهرانيهم قوم مؤمنون لم يتميزوا من الكفار، لم يأمنوا أن يطؤوا المؤمنين بغير علم فيقتلوهم، فتلزمهم دياتهم وتلحقهم سُبَّةُ بأنهم قتلوا من هو على دينهم إذ كانوا مختلطين بهم، فهذه المعرة التي صان الله المؤمنين عنها هي غُرم الديات ومسبة الكفار إياهم، انتهى كلامه [[انظر قولي النضر وشمر في "تهذيب اللغة" (عر) 1/ 99 - 100.]]، أما غرم الدية فهو قول محمد بن إسحاق بن يسار [[أخرجه الطبري 13/ 102 عن ابن إسحاق، وذكره الثعلبي 10/ 151 أ، والماوردي 5/ 320، والبغوي 7/ 320، وابن الجوزي 7/ 440، والقرطبي 16/ 286.]]، وهو غلط لأن الله تعالى لم يوجب على قاتل المؤمن خطأ في دار الحرب الدية، وإنما أوجب الكفارة في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: 92]، فالصحيح أن يقال: غرم الكفارة [[وهذا اختيار الطبري 13/ 102، وأورده الثعلبي 10/ 151أ، والبغوي 7/ 320.]]، وأما المَسَبّة فهو اختيار أبي إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 27.]]. قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مقدم في المعنى، كأن التقدير: لولا أن تطؤوهم بغير علم [[انظر: "تفسير الوسيط" 4/ 143.]]، وهذه الآية دليل على أن القرية من قرى المشركين إذا كان فيها طائفة من المسلمين لا يجوز البيات عليهم ولا تعميمهم بالحرق والغرق والمجانيق، وفي هذه الآية ضروب من النظم. قال صاحب النظم: التأويل: ولولا تطؤوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات لا تعرفون إيمانهم فتوقعون، فلما قدم ذكر الرجال والنساء، والمراد في التقديم، الوطأة بَنَى عليه الوطاة [[كذا رسمها في الأصل ولم أقف عليه.]] كالتكرير في ذكره، وهذا معنى ما ذكره أبو إسحاق أن قوله: أن ﴿تَطَئُوهُمْ﴾ بدل من قوله: (رجال) [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 27.]]. واختلفوا في جواب قوله: (ولولا رجال) فذهب قوم إلى أنه محذوف علي تقدير: لسلطناكم عليهم ولأذنا لكم في دخولها، وحذف الجواب كثير في التنزيل، وقال آخرون: جوابه قوله: (لعذبنا الذين كفروا) وهو جواب لكلامين أحدهما: لولا رجال، والثاني: لو تزيلوا [[انظر: "التبيان في إعراب القرآن" للعكبري 2/ 1167، "الدر المصون" 6/ 164.]]. قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ اللام متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام على تقدير: حال بينكم وبينهم ليدخل الله في رحمته من يشاء، يعني من أسلم من الكفار بعد الصلح، ودل على الحيلولة قوله: (ولولا رجال مؤمنون) [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 320، "البحر المحيط" 8/ 99.]]. وقال أبو جعفر النحاس: أجاز أبو حاتم الوقف على قوله: (بغير علم)، وجعل اللام في قوله: (ليدخل الله) لام قسم كما جعل في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ ما تقدم الآية [لما لم [[نص العبارة عند النحاس (فجلها لام قسم لما لم ير الفعل قبلها يتعلق به). انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 671.]] ير قبل اللام فعلاً متعلقاً به]، وفي هذا المعنى لطف، فلذلك أشكل عليه، والتقدير: لم يأذن لكم في القتال ودخول مكة على سبيل العرب، ليدخل الله في رحمته من يشاء ممن يسلمون وتم الكلام [[انظر: "القطع والائتناف" ص 671.]]، ثم قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ قال أبو عبيدة: لو انمازوا [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 217]]، وقال الفراء والزجاج: لو تميزوا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 68، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 27.]]، وذكرنا تفسير هذا الحرف عند قوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: 28]. قال الكلبي: لو تفرق بعضهم من بعض حتى يخلص الكفار وحدهم [[ذكر ذلك الماوردي في "تفسيره" 5/ 325، والقرطبي في "الجامع" 16/ 286، وانظر: "تنوير المقباس" ص 514.]]. قوله تعالى: ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وقال مقاتل: لو اعتزل المؤمنون الذين بمكة من كفارهم لعذبنا الذين كفروا [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 75.]]. قال الفراء: أي: لو خلص الكفار من المؤمنين لأنزل الله بهم القتل والعذاب [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 68.]]. وقال ابن قتيبة: لو تميزوا من المشركين لعذبنا المشركين بالسيف عذاباً أليماً [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 2/ 134.]]. قال مجاهد: يعني القتل والسبي [[لم أقف على هذا القول، وقال الطبري 13/ 103: لقتلنا من بقي فيها بالسيف أو لأهلكناهم ببعض ما يؤلمهم من عذابنا العاجل، وذكره في "الوسيط" 4/ 143 بلفظ المؤلف ولم ينسبه.]].