الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: شهد له بالرسالة [[ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 445، وفي "الوسيط" 4/ 146 عن ابن عباس.]] وهو جملة مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون محمد ابتداء، ورسول الله نعته، والذين معه عطف على الابتداء، وخبره فيما بعده [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 205، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 313.]]. قال ابن عباس: (والذين معه) أهل الحديبية [[ذكر ذلك القرطبي "الجامع" 16/ 292، ونسبه لابن عباس، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس، انظر 4/ 146.]]. وقال مقاتل: والذين آمنوا معه من المؤمنين [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78.]]. ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ غلاظ عليهم كالأسد على فريسته ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ يرحم أحدهم الآخر، قال ابن عباس: الرجل للرجل منهم كالولد لوالده، والعبد لسيده [[ذكره بغير نسبة: البغوي 7/ 323 - 324 دون قوله: والعبد لسيده، والمصنف في "الوسيط" 4/ 146 بنصه.]]. وقال مقاتل: متوادون بعضهم لبعض [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78.]]، وهذا كقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54]. ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ إخبار عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها، قال ابن عباس: إن عروة بن مسعود الثقفي أتى النبي -ﷺ- وهو بالحديبية فأقام بلال فتقدم رسول الله -ﷺ- وهم خلفه وعروة يعجب من حسن ما يرى من ركوعهم وسجودهم [[لم أقف عليه.]]. قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ قال مقاتل: يعني الجنة ورضا الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78، ونص العبارة: (فضلاً، يعني: رزقًا من الله ورضوانًا، يعنىِ يطلبون رضي ربهم).]]. ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: أي: مما حملت من الأرض جباههم، وهذا قول عكرمة وسعيد بن جبير وأبي العالية، قال سعيد: هو ندى الطهور وندى الأرض [[أخرج ذلك الطبري 13/ 111 - 112 عن سعيد بن جبير وعكرمة، ونسبه الثعلبي == لعكرمة وسعيد بن جبير، انظر: "تفسيره" 10/ 153 ب، ونسبه الماوردي 5/ 323 لسعيد بن جبير، ونسبه البغوي 7/ 324 لعكرمة وسعيد بن جبير.]]. وقال أبو العالية: لأنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب [[ذكر ذلك الثعلبي 10/ 153، 154، والبغوي 7/ 324، وابن الجوزي 7/ 446.]]. وقال شمر بن عطية: هو التهيج والصفرة في الوجه وأثر السهر [[أخرج ذلك الطبري 13/ 111 عن شمر، وذكر ذلك الثعلبي 10/ 153 ب، وابن الجوزي 7/ 447، والقرطبي 16/ 294 ونسبوه لشمر.]]. وهو قول الحسن والضحاك، قال الحسن: تحسبهم مرضى وما هم بمرضى، يعني من كثرة السهر للصلاة. وقال الضحاك: إذا سهر الرجل أصبح مصفراً. وقال عطية: (مواضع السجود [[نص العبارة عند ابن الجوزي: (مواضع السجود من وجوههم يكون أشد وجوههم بياضًا يوم القيامة) انظر: "زاد المسير" 7/ 447. ونصها عند الطبري 13/ 110: (مواضع السجود من وجوههم يوم القيامة أشد وجوههم بياضًا).]] أشد وجوههم بياضاً يوم القيامة) [[ذكر هذه الأقوال الثعلبي 10/ 153 ب، والماوردي 5/ 323، البغوي 7/ 324، وابن الجوزي 7/ 446 - 447، والقرطبي 16/ 294.]]، وعلى هذا القول هذه السيما تعرف في وجوههم يوم القيامة، وهذا قول الزهري وشهر بن حوشب، قال: يكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر، والقولان جميعاً ذكرهما الكلبي عن ابن عباس فقال: سيماهم من السهر بالليل والصفرة في وجوههم يعرفون بها يوم القيامة غرًّا [[ذكر ذلك الثعلبي 10/ 153 - 154، وابن الجوزي 7/ 447، والقرطبي 16/ 294.]]. وقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع وأنكر أن يكون [السحادة] [[كذا في الأصل، ولعل المراد (السحنة).]] بين العينين، وقال إنه ليكون في وجه الرجل مثل ركبة العنز، وإنه لأخبث من كذا [[أخرج ذلك الطبري 13/ 111 عن مجاهد، وذكره الثعلبي 10/ 153 ب، والقرطبي 16/ 294، ونسباه لمجاهد مع اختلاف في بعض الألفاظ، ونسبه في "الوسيط" 4/ 146 لمجاهد.]]، وهذا قول طاوس ومقاتل، ورواية الوالبي عن ابن عباس، قالوا: هو الهدي والسمت الحسن وسيما الإسلام وسحنته [[أخرج ذلك الطبري 13/ 111 عن ابن عباس، ونسبه الثعلبي 10/ 153 ب، والبغوي 7/ 324 لابن عباس، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس في رواية الوالبي.]]، وعلى هذا معنى قوله (من أثر السجود) أي: من أثر الصلاة، والمعنى: أن السجود أورثهم ذلك الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به. وحكى أبو إسحاق: أن هذه السيما هو أنهم يبعثون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الطهور، يجعله الله لهم يوم القيامة علامة يبين بها فضلهم على غيرهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 29، وقد ورد ذلك في الحديث الصحيح عند مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فيلفعل"، انظر: "صحيح مسلم"، كتاب: الطهارة باب (12) اسححباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء 1/ 216.]]. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ يعني: ما ذكر من وصفهم وهو ما وصفوا في التوراة أيضًا، والمعنى أنهم وصفوا في التوراة بما وصفوا في القرآن، وتم الكلام هاهنا في قول ابن عباس فيما روى عنه ابن جريج، وهو قول الضحاك وقتادة ومقاتل وابن زيد [[أخرج ذلك الطبرى عن قتادة والضحاك وابن زيد ورجح هذا القول، انظر: == "تفسيره" 13/ 112 - 113، وكذلك الثعلبي فسره بذلك، انظر: "تفسيره" 10/ 154 أ، وكذلك فسره به البغوي 7/ 324، وأشار ابن الجوزي 5/ 323 إلى القولين ونسب هذا القول للضحاك وابن زيد ونسب القول بأنه مثل واحد لمجاهد، وأورد القولين من غير نسبة ولا ترجيح الماوردي في "تفسيره" 5/ 323.]]. قال مقاتل: يقول ذلك الذي ذكر نعت أمة محمد عليه السلام في التوراة، ثم ذكر نعتهم في الإنجيل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78.]] فقال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾ وقال مجاهد: المثلان في التوراة والإنجيل واحد، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي قال: يقول صفتهم في التوراة والإنجيل كصفتهم في القرآن [[أخرج ذلك الطبري 13/ 113 عن مجاهد، ونسبه القرطبي 16/ 294 لمجاهد.]]، وذكر الفراء القولين أيضًا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 69.]]، وتمام الكلام على قول مجاهد: عند قوله في الإنجيل، ثم ابتدأ، فقال: كزرع، أي: هم كزرع، أو هو يعني: رسول الله كزرع، والكاف في محل الرفع، لأنه خبر المبتدأ المحذوف [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 314، "الدر المصون" 6/ 166.]]. قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ يقرأ: بسكون الطاء وفتحها [[قرأ ابن كثير وابن عامر: بالفتح، وقرأ الباقون: بالسكون، انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 203.]]، قال أبو زيد: أشطأت الشجرة بغصونها، إذا أخرجت غصونها [[انظر: "الحجة" 6/ 204 "تهذيب اللغة" (شطأ) 11/ 392.]]، وقال ابن الأعرابي: أخرج شطأه، أي: فراخه، وجمعه أشطاء، وقد أشطأ الزرع، إذا فرخ [[انظر: "تهذيب اللغة" (شطأ) 11/ 392، "اللسان" (شطأ) 1/ 100.]]، ونحو هذا قال أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 218.]]. وقال الزجاج: أخرج نباته [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 29.]]. وقال المبرد: أشطأ فراخ الزرع يقال قد أشطأ الزرع، ومن هذا يقال للواحد من الأولاد: إنك لشطأةٌ صالحة [[لم أقف عليه.]]. وقال أبو علي الفارسي: والشَّطْأ والشَطَأ يشبه أن يكونا لغتين، كالشَّمْع والشَّمَع والنَّهْر والنَّهَر [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 204.]]. أما التفسير فقال أنس بن مالك: نباته وفروخه [[أخرج ذلك الطبري 13/ 113 عن أنس بدون لفظ (فروخه)، ونسبه له الثعلبي 10/ 154 أ.]]. وقال مجاهد: جوانبه [[أخرج الطبري 13/ 114 عن مجاهد بلفظ: (ما يخرج بجنب الحلقة فيتم وينمو) ، وكذلك الثعلبي نسب هذا المعنى لمجاهد، انظر: "تفسيره" 10/ 154 أ.]]، وقال [أبو زيد] [[كذا في الأصل، وهو تصحيف والصحيح [ابن زيد].]]: أولاده [[أخرج الطبري هذا القول عن ابن زيد انظر: "تفسيره" 13/ 114، وكذلك نسبه الثعلبي لابن زيد 10/ 154 أ، وكذلك نسبه القرطبي 16/ 294 لابن زيد وغيره.]]. وقال الضحاك: هو ما يخرج بجنب الحلقة فينمو [[أخرج الطبري 13/ 114 هذا عن مجاهد، ونسبه الثعلبي في "تفسيره" لمجاهد والضحاك 10/ 154 أ.]]. قوله تعالى: ﴿فآزره﴾ القراءة بالمد، وقرأ ابن عامر: (فأزره) مقصوراً على فعله [[انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 604 - 605، "الحجة" لأبي علي 6/ 204]]. قال أبو عبيدة: ساواه وصار مثل الأم، وأنشد لحميد الأرقط [[لم أقف على ترجمته.]]: يَسْقِي بغَيْثٍ غَدِقٍ السَّاحَاتِ ... زَرْعَاً وقَضْباً مُؤْزَر النباتِ [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 218، والبيت بلفظ: (السَّحات).]] وقال المبرد: معناه: أن هذه الأفرخ لحقت الأمهات حتى صارت مثلها [[ذكر ذلك في "الوسيط" ونسبه للمبرد، انظر 4/ 146.]]، والمعنى: آزر الشطأ الزرع فصار في طوله. وقال الأصمعي: فساوى الفراخ الطوال فاستوى طولها، وأنشد قول امرئ القيس: بِمَحْنِيَّةٍ قَدْ آزَرَ الضَّالَ نَبْتُها ... مَجَرَّ جُيُوشٍ غانِمِيْنَ وخُيَّبِ [[انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 247، "اللسان" (أزر) 4/ 18، "الحجة" لأبي علي 6/ 204، "شرح الأبيات المشكلة الإعراب" ص 332 - 333، والمحنية: واحدة المحاني، وهي معاطف الأودية، والمحنية أخصب موضع في الوادي، والضال: شجر السدر، وآزر: ساوى، يريد: لحق النبت بالشجر، وهي مجمع للجيوش فلا ينزلها أحد ليرعاها خوفًا من الجيوش، وانظر: "ديوان امرئ القيس" ص 51.]] قال: أراد: أن نبت هذه المحنية طال حتى ساوى السدر، لأن الناس هابوه فلم يرعوه، وعلى قول هؤلاء فاعل (آزر) الشطأ، وآزر وزنه أفعل، ويدل عليه قول حميد. وقال بُزُرْج: يقال: وأزرني فلان على الأمر وآزرني، والألف أعرب [[في "تهذيب اللغة" (والألف أفصح) انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 246.]] وهو من المؤازرة، وفعلت منها آزرت أزراً [[انظر. "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 246 - 247.]]. وقال الفراء: آزرت فلاناً آزره أزراً، قويته على وزن عَزَّرته، وآزرته عاونته [[انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 247، "معاني القرآن" للفراء 3/ 69.]]. وقال الزجاج: آزرت الرجل على فلان، إذا أعنته عليه وقويته [[انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 247، ونسبه للزجاج والذي في "معاني القرآن" 5/ 29 للزجاج: (فآزره أي: فآزر الصغار الكبار حتى استوى بعضه مع بعض).]]، وعلى هذا القول آزر وزنه فاعل. قال المبرد: يقال: آزرني على أمري، أي: قواني [[لم أقف على قول المبرد، وفي "تهذيب اللغة" الأزر: القوة (وزر) 13/ 247، وفي "اللسان" الأزر: القوة والشدة (أزر) 4/ 17.]] ومنه قوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: 31]، وفلان موازر، لفلان على أمره وليس هذا من الوزير لأن هذا فاؤه مهموز، والوزير فاؤه وواوه، فا عل (آزر) على هذا القول الزرعُ، والمعنى: آزر الزرعُ الشطأ [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 205، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 295.]]. قال أبو الحسن الأخفش: الأشبه في آزر أفعل [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 695، وهذا النقل بنصه في "الحجة" 6/ 205.]] لا فاعل ليكون قول أبي عامر أزره فعله، فيكون فيه لغتان فَعَل وأفْعَل، لأنهما كثيرًا ما يتعاقبان على الكلمة كما قالوا: ألَتَهُ وآلَتَهُ يُولِتُهُ، وكذلك آزره وأزره [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 205.]]. قال ابن عباس ومقاتل ومجاهد: فآزره فشده وأعانه [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 114، "الثعلبي" 10/ 154 ب، "تفسير مقاتل" 4/ 78.]]، وقال الزهري وقتادة: فتلاحق [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة والزهري، انظر: "تفسيره" 13/ 115.]]. قوله: ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ يقال: استغلظ الشيء، إذا صار غليظاً، وهذا لازم، واستغلظت الثوب، إذا خيّل إليك أنه غليظ [[انظر: "تهذيب اللغة" (غلظ) 8/ 84.]] واقع، واستغلظ النبات والشجر إذا غلظ، قوله: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ ذكرنا تفسير السوق عند قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: 33] وهي جمع ساق، قال الكلبي: فقام على قصبه وأصوله فأعجب ذلك زارعه [[لم أقف عليه بهذا النص، وقد ذكر الثعلبي أنه بمعنى أصوله ولم ينسبه 10/ 154 ب، وكذا البغوي 7/ 325، وذكره في "الوسيط" 4/ 147 بنص ما هنا ولم ينسبه.]] وهو قوله: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾، وقال مقاتل: يعجب الزارع حُسْنُ زرعه حين استوى قائماً على ساقه [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78.]]. قال المفسرون: وهذا كله مثل ضربه الله تعالى لمحمد -ﷺ- وأصحابه فالزرع محمد، والشطأ أصحابه والمؤمنون حوله، وكانوا في ضعف وقلة [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 115، "تفسير الثعلبي" 10/ 154 ب، "تفسير الماوردي" 5/ 324، "تفسير البغوي" 7/ 325، "زاد المسير" 7/ 448، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 295.]]، كان أول الزرع دقيقاً ثم غلظ وقوي وتلاحق، كذلك المؤمنون يقوي بعضهم بعضاً حتى يستغلظوا ويستووا على أمرهم، كما استغلظ هذا الزرع واستوى على سوقه، وهذا قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78.]]. وقال الكلبي: محمد -ﷺ- بدأ حين بدأ وحْدَه، فجعل الناس يأتونه وجعلوا يزدادون ويكثرون حتى امتنعوا وهابهم العدو وقهروا من حولهم [[ذكر نحو ذلك في "تنوير المقباس" ص 515، وفي "تفسير الوسيط" 4/ 147 ولم ينسبه.]]. قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ من صفة كمال ذلك الزرع وحسنه. وقال أبو إسحاق: (الزُّراع) الدعاة إلى الإسلام [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 29.]]، وعلى هذا معنى الكلام: أن قوة صحابة محمد -ﷺ- وكثرتهم تعجب الدعاة إلى دينه، كما يعجب حسن هذا الزرع الذين زرعوه، وتم الكلام ثم قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ واللام متعلق بمحذوف دل عليه ما سبق والتقدير: فعل الله بهم ذلك ليغيظ بهم الكفار [[انظر: "الدر المصون" 6/ 167، "البحر المحيط" 8/ 103.]]، أي: إنما كثرهم وقواهم لكونوا غيظاً للكافرين، وروي لنا عن الشافعي -رضي الله عنه- أنه قال في قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ما آمن أن يكونوا قد صارعوا الكفار، يعني: الرافضة، لأن الله تعالى يقول: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فمن غاظه واحد من أصحاب النبي -ﷺ- خفت عليه أن يكون ممن دخل في قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [[ذكر القرطبي 16/ 297 نحو هذه المقالة، وكذلك أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 103، وابن كثير 6/ 365 ونسبوها جميعًا لمالك.]]. وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، قال أبو إسحاق: فيها قولان: يكون منهم تخليصاً للجنس من غيره، كما تقول: أنفق نفقتك من الدراهم، أي: اجعل نفقتك هذا الجنس، والمعنى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أصحاب رسول الله -ﷺ- المؤمنين أجراً عظيماً، فضلهم على غيرهم لسابقتهم وعظم أجرهم، هذا كلامه في أحد القولين، وبياف أنه ليس يمكن حمل قوله: (منهم) على التبعيض لأنهم كلهم مؤمنون فحمله على الجنس ليدخل فيه كلهم، وتخصيصهم بوعد المغفرة والأجر تفصيل لهم، وإن وعد المؤمنون كلهم ذلك، ولكنهم إذا ذكروا على التخصيص كان ذلك فضيلة لهم، قال: والقول الثاني: أن يكون المعنى وعد الله الذين آمنوا، أي: أقاموا على الإيمان والعمل الصالح [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 29 - 30، "الدر المصون" 6/ 167، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 295 - 296.]]. قوله تعالى: ﴿مِنْهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: ثواباً لا ينقطع [[لم أقف عليه.]]، وقال مقاتل: يعني الجنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 78.]] والله تعالى أعلم.