الباحث القرآني

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية، قَدَّم هاهنا: بمعنى: تقدم وهو لازم لا يقتضي مفعولاً، يدل عليه قراءة الضحاك ويعقوب: (لا تَقَدَّموا) بفتح التاء والدال من المتقدم ومعناهما واحد [[انظر كتاب: "التذكرة في القراءات" 2/ 689، "الدر المصون" 6/ 168.]]. قال الفراء: يقال قَدَمت في أمر كذا، وكذا وتقدَّمت [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 69.]]. وقال الأزهري: يقال قَدَّم يُقدِّم، وتَقدّم يَتقدّم، وأقدم يُقْدِمُ، واستَقدم يستقدم بمعنى واحد [[انظر: "تهذيب اللغة" (قدم) 9/ 49.]]. وقال أبو [عبيد] [[كذا في الأصل والصواب (عبيدة).]]: تقول العرب: لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب، أي: لا تعجل بالأمر دونه والنهي [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 219]]، يجيء فعل بمعنى يفعل، يقال: حول بمعنى تحول، ومنه قول ذي الرمة: قوله: إذا حَوّل الظِّل العَشِي رأيتَه ... حَنِيفاً وفي قَرْنِ الضُّحَى يَتَنصَّرُ [[انظر: "ديوان ذي الرمة" ص 229، وانظر: "تهذيب اللغة" (ولى) 15/ 452، قال الأزهري: أراد تحول الظل بالعشي.]] ومعنى بين اليدين هاهنا: المقدام والأمام، وذلك راجع إلى قدام الأمر والنهي، لأن المعنى: لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما، وبين اليدين عبارة عن الأمام، لأن ما بين يدي الإنسان أمامه، وهذا اللفظ بهذا المعنى كثير في التنزيل. واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الكلبي والسدي والمقاتلان وعطاء الخراساني: نزلت [..] [[كذا في الأصل وقد سقط حرف (في).]] قصة بئر معونة [[بئر معونة: قال ابن إسحاق: (بئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، وقال: كلا البلدين منها قريب إلا أنها إلى حرة بني سليم أقرب، وقيل: بثر معونة بين جبال يقال لها: أبْلَى في طريق المصعد من المدينة إلى مكة وهي لبني سليم)، وقال الواقدي: (بئر معونة في اْرض بني سليم وأرض بني كلاب، وعندها كانت قصة الرجيع) والله أعلم، انظر: "معجم البلدان" 1/ 302.]] وقيل: للثلاثة الذين قتلوا الرجلين المسلمين اللذين اعتزيا إلى بني عامر، وكان بنو عامر قتلوا أصحاب بئر معونة، فلما اعتزى الرجلان إليهم قتلوهما وأخذوا ما كان معهما، فلامهم رسول الله -ﷺ- وقال: "بئسما صنعتما هما رجلان من بني سليم [[بنو سليم: بضم السين- قبيلة عظيمة من قيس عيلان والنسبة إليهم سلمى، وهم بنو سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس، قال الحمداني: وهم أكثر قبائل قيس، وكان لسليم من الولد بهتة ومنه جميع أولاده، قال في العبر: وكانت منازلهم في عالية نجد بالقرب من خيبر، قال: وليس لهم الآن عدد ولا بقية في بلادهم. انظر: "نهاية الأرب" ص 271.]] من أهل ميثاقي" ونزلت هذه الآية [[أورد ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 157 أونسبه للسدي وعطاء الخراساني، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 87، "تفسير الماوردي" 5/ 326 ونسبه للضحاك عن ابن عباس، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 301، "تفسير الألوسي" 26/ 133.]] يقول: لا تقطعوا أمراً دون الله ورسوله، ولا تعجلوا به، وهذه رواية باذان عن ابن عباس [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 157 ب.]]. وقال ابن الزبير: قدم المدينة ركب من بني تميم [[بنو تميم: بطن من طابخة وطابخة من العدنانية وهم بنو تميم بن مر بن أد بن طابخة، والتميم في اللغة الشديد، وكان لتميم من الولد زيد مناة وعمرو بن الحارث، قال في العبر: وكانت منازلهم بأرض نجد من هنالك على البصرة واليمامة وامتدت إلى الغري من أرض الكوفة. انظر: "نهاية الأرب" ص 177.]] على النبي -ﷺ-[..]، [[سقط من الأصل قوله: (فقال: أبو بكر أمر القعقاع بن معبد وقال عمر أمر الأقرع ابن حابس).]]، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. وتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله هذه الآية [[أخرجه عن عبد الله بن الزبير البخاري في التفسير، باب إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون 6/ 47، والطبري 13/ 119، وأخرجه الثعلبي 10/ 157 أ، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 406، والبغوي 7/ 334.]] وهذه رواية عطاء عن ابن عباس [[وهي التي سبقت الإشارة إليها في قصة بئر معونة وقتل الرجلين.]]. وقال جابر بن عبد الله: نزلت في النهي عن الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة، وذلك أن ناساً من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي -ﷺ- فأمرهم أن ييدوا الذبح. وهو قول الحسن [[أخرج ذلك الثعلبي 10/ 156 ب عن جابر بن عبد الله، وأشار أيضًا أنه اختيار الحسن البصري، ونسبه في "الوسيط" 4/ 150 لجابر، ونسبه الطبري 13/ 117، والماوردي 5/ 325، وابن الجوزي 7/ 454، والقرطبي 16/ 301 للحسن.]]، واختيار الزجاج، قال: أعلم الله أن ذلك غير جائز، قال: وفي هذا دليل أنه لا يجوز أن يؤدِّى فرضٌ قبل وقته، ولا تطوع قبل وقته مما جاءت به السنة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 31.]]. وروى مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك، قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم [[أخرج ذلك الثعلبي 10/ 156 ب عن عائشة، ونسبه إليها البغوي 7/ 334، وابن الجوزي 7/ 455، وعزاه السيوطي في "الدر" 7/ 547 إلى الطبراني في الأوسط وابن مردويه، ونسبه في "الوسيط" 4/ 150 لمسروق عن عائشة.]]. وأما التفسير: فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة [[أخرج ذلك الطبري 13/ 116 عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ونسبه الثعلبي في "تفسيره" 10/ 156 ب لابن عباس عن علي بن أبي طلحة.]]، وقال العوفي عنه: لا تتكلموا بين يدي كلامه [[أخرج ذلك الطبري 13/ 116 عن ابن عباس، ونسبه الماوردي 5/ 352 لابن عباس، ونسبه ابن الجوزي 7/ 455 للعوفي، وذكره السيوطي في "الدر" 7/ 546. ونسبه للطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس.]]. وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حتى يقضيه الله على لسانه [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 610، وأخرجه الطبري 13/ 116، ونسبه الثعلبي 10/ 157 أ، ونسبه البغوي 7/ 334، والقرطبي 16/ 301 لمجاهد.]]، وقال الضحاك: لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله [[نسب هذا القول للضحاك، الثعلبي 10/ 157/ أ، والبغوي 7/ 334.]]. وقال الكلبي: لا تسبقوا رسول الله -ﷺ- بقول ولا فعل حتى يكون هو الذي يأمركم [[نسب الثعلبي 10/ 157 أهذا القول للكلبي، "تنوير المقباس" ص 515.]]. وهذه عبارات المفسرين ومعناها واحد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.