الباحث القرآني

قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ نزلت في بني أسد بن خزيمة [[هم: بنو أسد حي من بني خزيمة من العدنانية وهم بنو أسد بن خزيمة بن مدركة وكان لأسد هذا من الولد: دودان، وكاهل، وعمرو، وصعب، وحلمة، قال في العبر: وهم بطن كبير متسع وذو بطون قال وبلادهم مما يلي الكرخ من أرض نجد في مجاورة طي، قال: ويقال: إن بلاد طي كانت لبني أسد فلما خرج بنو طي من اليمن غلبوا على سلمى وأجا، وقد تفرقوا بعد ذلك في الأقطار ولم يبق لهم حي. انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 47.]]، أتوا النبي -ﷺ- في سنة جدبة وأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر، إنما أتوا يطلبون الصدقة، هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير [[أخرجه الطبري 13/ 141 عن مجاهد، وذكره الثعلبي 10/ 172 أولم ينسبه، وأخرجه النسائي عن سعيد بن جير، انظر: "السنن الكبرى" كتاب التفسير، قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ 6/ 467، وذكره البغوي 7/ 349 ولم ينسبه، ونسبه ابن الجوزي 7/ 475 لمجا هد، وذكره القرطبي 16/ 348 ولم ينسبه، ونسبه أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 116 لمجاهد، وذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 419، و"الوسيط" 4/ 159 - 160 من غير إسناد.]]، وقالوا: المراد بالأعراب هاهنا بنو أسد. وقال السدي ومقاتل: يعني: الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله -ﷺ- عام الحديبية [[ذكره الثعلبي 10/ 172 أ، والبغوي 7/ 350، وابن الجوزي 7/ 476، والقرطبي 16/ 348 ونسبوه للسدي، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 97.]]، وقد ذكرناهم في سورة الفتح، وهؤلاء كانوا قد أظهروا كلمة الإسلام ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم من سرايا رسول الله -ﷺ- التي كانت تمر بهم، والمعنى: أنهم يقولون: قد صدقنا بما جئت به، ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ لم تصدقوا ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، قال ابن عباس: أقررنا بالإيمان [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل ومجاهد وقتادة: انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي [["تفسير مقاتل" 4/ 98، وأخرجه الطبري 13/ 142 عن مجاهد وسعيد بن جبير.]]، ثم بين أن الإيمان محله القلب لا اللسان بقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. قال أبو إسحاق: والإسلام: إظهار الخضوع وقبول ما أتى به النبي -ﷺ-، وبذلك يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان، وصاحبه المؤمن المسلم حقاً، وأما من أظهر قبول الشريعة واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم، والإيمان لا بد أن يكون صاحبه صديقاً؛ لأن قولك: آمنت بكذا، معناه: صدقت به، وقد أخرج الله هؤلاء من الإيمان فقال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: لم تصدقوا إني أسلمتم تعوذاً من القتل، والمسلم الذي أظهر الإسلام تعوذاً غير مؤمن في الحقيقة، إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين. انتهى كلامه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 38.]]. ومعنى الإيمان والإِسلام وحقيقتهما في اللغة قد سبق ذكره في سورة البقرة. قوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال ابن عباس: تخلصوا الإيمان [[ذكر ذلك البغوي 7/ 355 عن ابن عباس، وابن الجوزي 7/ 477 عن ابن عباس، والقرطبي 16/ 348 من غير نسبة.]]، ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ وقرأ أبو عمرو: (لا يألتكم) من ألت، وهما لغتان [[قراءة أبي عمرو: من ألتَ يألِتُ ألتا، مثل: ضرب يضرب ضربًا، وقرأ الباقون: يَلِتكم، من لات يَلِيتُ، إذا نقص، انظر: "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 284، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 676.]]، قال أبو زيد: قالوا: الله السلطان حَقّه يألته ألتًا، مثل: ضربه يضربه ضرباً إذا نقصه، قال: وقوم يقولون: لات يلت، وحكى التوزي [[هو: عبد الله بن محمد بن هارون التوزي أبو محمد مولى قريش من أكابر أئمة اللغة، قال السيرافي: قرأ على الجرمي "كتاب" سيبويه، وكان أعلم من الرياشي والمازني وأكثرهم رواية، عن أبي عبيدة، وقد قرأ أيضًا على الأصمعي وغيره، صنف كتاب: الخيل والأمثال والأضداد، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. انظر: "بغية الوعاة" للسيوطي 2/ 61، "أخبار النحويين والبصريين" ص 85.]]: في ألت آلت يولت إيلاتاً [[انظر: "تهذيب اللغة" (لات وولت) 14/ 321، "المحتسب" لابن جني 2/ 290، "البحر المحيط" 8/ 104 - 149، "زاد المسير" 7/ 477.]]. وحكى الزجاج في لات: ألات يُلِيْتُ، فاجتمع أربع لغات: أَلَت وآلَتَ ولاَتَ وأَلاَتَ، كلها معناها النقصان، وحجة أبي عمرو قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ [الطور: 21] فالبناء مضارعه يألتكم، وحجة الباقين خط المصحف، قال أبو إسحاق: والمعنى فيهما واحد [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 39.]]. قال ابن عباس ومقاتل: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئاً [[ذكر هذا الثعلبي 10/ 173 أ، والبغوي 7/ 350، والقرطبي 16/ 348 ولم ينسبوه، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 98، ونسبه في "الوسيط" 4/ 160 لابن عباس ومقاتل.]]، ثم نعت المؤمنين الصادقين في إيمانهم فقال: