الباحث القرآني

إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ وقال عطاء عن ابن عباس: لما نزل قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ تألَّى أبو بكر ألا يكلم رسول الله -ﷺ- إلا كأخي السرار، فأنزل الله تعالى في أبي بكر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ [[ذكر ذلك الهيثمي في "مجمع الزوائد" وقال رواه البزار وفيه حصين بن عمر الأحمسي وهو متروك، وقد وثقه العجلي، وبقية رجاله رجال الصحيح، انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 108، وذكره الماوردي 5/ 326، البغوي 4/ 336، والقرطبي 16/ 308، وذكره في "الوسيط" 4/ 151.]] ونحو هذا روي لنا عن أبي هريرة [[أخرج ذلك الثعلبي 10/ 159 أعن أبي هريرة وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. انظر: "المستدرك" -كتاب التفسير- سورة الحجرات 2/ 462، وذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 336.]]. وقال ابن الزبير: ما حدث عمر النبي -ﷺ- بعد قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ فسمع النبي -ﷺ- كلامه حتى يستفهمه بما يخفض صوته فأنزل الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ [[أخرج ذلك البخاري في "تفسيره". انظر: "صحيح البخاري" كتاب: التفسير 6/ 46، وذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" عن ابن الزبير 10/ 159 أ، البغوي في "تفسيره" 7/ 337، وذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 308، ولا مانع من نزول الآية في جميع من ذكر لما اتحد فعلهم.]]. والغض: النقص من كل شيء، ومنه غض البصر وغض الصوت [[انظر: "تهذيب اللغة" (غض) 16/ 36، "اللسان" (غضض) 7/ 197.]]. قال الله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: 19]، قال مقاتل: يخفضون كلامهم عند رسول الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90.]]، قال ابن عباس: يريد أبا بكر [[انظر: "تفسير الوسيط" 4/ 151.]]. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ قال مقاتل ومجاهد وقتادة: أخلص الله قلوبهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90، "تفسير الطبري" 13/ 120، و"الوسيط" 4/ 151.]]، وهذا معني وليس بتفسير، وذلك أن الامتحان معناه في اللغة: الاختبار [[انظر: "تهذيب اللغة" (محن) 5/ 121، "اللسان" (عن) 13/ 401.]]، والاختبار إنما يكون الإخلاص كما يمتحن الذهب بالنار ليخلص، والتقدير: امتحن الله قلوب فأخلصها للتقوى فحذف الإخلاص لدلالة الامتحان عليه، وذلك أن الامتحان إنما كان للإخلاص. قال عطاء عن ابن عباس: يريد طهَّر قلوبهم من كل قبيح، وجعل التقوى في قلوبهم والخوف من الله [[انظر: ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 308 عن ابن عباس.]]، قال الفراء: أخلص قلوبهم للتقوى كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج جيده من رديئه ويسقط خبثه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 70.]]، وقال أبو عبيدة: امتحنه: اصطفاه [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 219.]]، وهذا كقول المفسرين. وقال أبو سعيد الضرير: محنت الأديم محنًا إذا مددته حتى توسعه، قال: ومعنى قوله: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ شرح الله قلوبهم، كان معناه وسَّع الله قلوبهم للتقوى [[انظر: "تهذيب اللغة" (عن) 5/ 121 - 122، "اللسان" (عن) 13/ 401.]]، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى تقدير محذوف، وقال المقاتلان: قال ثابت لما نزلت هذه الآية: ما يسرني أني لم أجهر بصوتي عند النبي -ﷺ- إذ امتحن الله قلبي للتقوى، وجعل لي مغفرة وأجراً عظيمًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90 - 91.]].