الباحث القرآني

وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ قال المفسرون: نزلت في حَيَّيْن من الأنصار كان بينهما قتال بالنعال والأيدي. قال أبو مالك: اقتتل رجلان فاقتتل حياهما، فاقتتلوا بالنعال والعصي، فأنزل الله ما قد سمعتم [[أخرجه الطبري 13/ 128 عن أبي مالك، وعزاه السيوطي في "الدر" 7/ 560 لسعيد ابن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك.]]، ونحو هذا قال الحسن [[أخرجه الطبري عن الحسن، انظر: "تفسير الحسن" 2/ 296.]] وقتادة [[أخرجه الطبري 13/ 129 عن قتادة، ونسبه الماوردي 5/ 330، والبغوي 7/ 340، وابن الجوزي 7/ 463 لقتادة.]] والسدي [[أخرجه الطبري 13/ 128 عن السدي، ونسبه الثعلبى 10/ 164 أ، والماوردي 5/ 330، والبغوي 7/ 340 للسدي.]]. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ أي: بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضاء بما فيه لهما وعليهما. وقوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ أي: طلبت ما ليس لها، ولم ترجع إلى الصلح والرضا بحكم الله الذي حكم في كتابه. قال أبو إسحاق: والباغية: التي تعدل عن الحق وما عليه أئمة المسلمين وجماعتهم [[انظر: "معاني الزجاج" 5/ 35.]]. قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: ترجع إلى طاعة الله [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: ترجع إلى الصلح الذي أمر الله به [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 94.]]. قال أصحابنا: ودلت عليه هذه الآية، على أنه يجحب أن يقاتل المارق الباغي المشاقّ لما عليه الأمة [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 128، "تفسير البغوي" 7/ 342، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 317.]]؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب، والبغاة الذين يجب قتالهم هم الذين يجتمع لهم أوصاف ثلاثة: الغلبة بالشوكة والقوة، والتأويل المحتمل [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 342.]]، والإمام الذين يجتمعون عليه، فهؤلاء يدعون أولاً إلى طاعة الله بالإنذار، والعود إلى طاعة الإمام العادل، فإن أبوا قوتلوا من غير أن يبدأ بالقتال، ولكن إن قصدوا أهل العدل قاتلوهم للدفع، ثم لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جرحتهم، ونحو ما ذكرنا سار أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- في أهل البغي [[أخرجه الحاكم عن أبي أمامة وقال: هذا صحيح الإسناد في هذا الباب، ووافقه الذهبي، انظر: "المستدرك" كتاب: قتال أهل البغي 2/ 155، وأخرجه البيهقي موقوفًا على علي، انظر: "سنن البيهقي" كتاب: قتال أهل البغي، باب أهل البغي إذا فاءوا لم يتبع مدبرهم ولم يقتل أسيرهم ولم يجهز على جريحهم ولم يستمتع بشيء من أموالهم 8/ 181. وانظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر 4/ 43.]]، وما أتلف أهل البغي من مال أهل العدل وما أراقوا من دمائهم يجب عليهم الغرامة على الصحيح من مذهب الشافعي، والقود يسقط بالشبهة [[انظر: "أحكام القرآن" للشافعي 1/ 292، "إرواء الغليل" للألباني 8/ 116، والقود: قتل القاتل بالقتيل، تقول: أقدْتُه واستقدتُ الحاكِم، وإذا أتى الإنسان إلى آخر أمرًا فالقم منه مثلها، قيل: استقادها منه. انظر: "تهذيب اللغة" (قاد) 9/ 248.]]. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ أي: رجعت الباغية إلى طاعة الله ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ قال ابن عباس: بالديات التي فرضها الله، يعني: أنهم يدون الجرحى والقتلى، وذلك هو الإصلاح بين الفريقين، يؤخذ للعادل من الباغي دية الجراحة والقتل وغرم ما أتلف من المال [[انظر: "أحكام القرآن" للشافعي 1/ 293، وكتاب: الأم، حكم أهل البغي في الأموال وغيرها 4/ 220.]]، ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ واعدلوا في الإصلاح بينهما وفي كل حكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ وذكرنا معنى الإقساط في أول سورة النساء [آية: 5]. ونزل في هذا أيضًا قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أن الدين يجمعهم وأنهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم، فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أجل النسب لأنهم لآدم وحواء، فإن اختلفت أديانهم افترقوا في النسب وإن كانوا لأب ولأم، ألا ترى أنه لا يرث الولد المؤمن الأب الكافر، ولا الحميم المؤمن نسيبه الكافر [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 36.]]. وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ يعني: بين كل مسلمين تخاصما وتقاتلا. وقال الكلبي ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 94، وذكر ذلك الماوردي 5/ 330، ونسبه لمقاتل والكلبي والفراء، انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 71.]]: نزلت هذه الآية وما قبلها في الأوس والخزرج [[الأوس: بطن من مزيقيا من القحطانية وهم بنو الأوس بن حارثة بن تغلب بن مزيقيا وهم أحد قبيلتي الأنصار، وكان لهم ملك يثرب نزلوها عند خروجهم من اليمن وجاء الإسلام وهم بها، فكانوا أنصارًا للنبي -ﷺ- انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص 65. الخزرج: بطن من مزيقيا من الأزد غلب عليهم اسم أبيهم فقيل لهم الخزرج، وهم المراد عند الإطلاق لهذا الاسم وهم إحدى قبيلتي الأنصار أخوة الأوس ويقال لكليهما بنو قيلة. انظر: "نهاية الأرب" ص 60، "جمهرة أنساب العرب" ص 362، "معجم قبائل العرب" 1/ 342.]]. وقال أبو علي الفارسي: اقتتلا بسبب عبد الله بن أبي، وعبد الله بن رواحة [[هو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري من الخزرج أبو محمد يعد من الأمراء والشعراء الراجزين، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، وكان أحد النقباء الاثني عر واستخلفه النبي -ﷺ- في إحدى غزواته على المدينة، وكان أحد الأمراء في وقعة مؤتة فاستشهد فيها. انظر: "حلية الأولياء" 1/ 118، "الاستيعاب" 2/ 293 ، "الإصابة" 2/ 306.]] [[لم أقف عليه.]]، وعلى هذا قال مقاتل: بين أخويكم: يعني: الأوس والخزرج [[انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 94.]]. وقال أبو علي الفارسي: يراد بالأخرين الطائفتان ونحوهما مما يكون كثرة، وإن كان اللفظ لفظ التثنية يرد والمراد به الكثرة والعموم [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 209.]]، وذكرنا شواهد ذلك في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]. وقال أبو عبيدة في قوله: (بين أخويكم): معنى الآيتين يأتي على الجميع إنما تأويله: على كل أخوين [[لم أقف عليه عند أبي عبيدة، وقد نسبه القرطبي 16/ 323 لأبي عبيدة.]]. وفي قوله: ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ دليل على أن صفة البغي لا تزيل اسم الإيمان؛ لأن الله تعالى أثبت الأخوة بين المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ثم سَمَّى الباغي والعادل أخوين فقال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ وجعلهما أخوين للمؤمنين، فالباغي أخو المؤمنين كما أن العادل أخوهم، ونحو هذا قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فيهم لما سأله الحارث [[هو: الحارث بن عبد الله الأعور الهَمْداني الخارِفِي أبو زهير الكوفي، ويقال: الحارث بن عبيد، ويقال: الحوتي، وحوت بطن من همدان، روى عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وروى عنه الشعبي وأبو إسحاق السبيعي وأبو البختري الطائي وغيرهم، وهو ضعيف في الحديث، توفي عام 65 هـ انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 435، "تهذيب التهذيب" 2/ 145.]] الأعور عن أهل الجمل وصفين [[صفين: بكسرتين وتشديد الفاء: هو موضع بقرب الرقة على شاطىء الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس وكانت وقعة صفين بين علي -رضي الله عنه- ومعاوية -رضي الله عنه- في سنة 37 هـ، في غرة صفر. انظر: "معجم البلدان" 3/ 414.]] فقال: أمشركون هم؟ قال: لا، من الشرك فروا [[قال الفراء: فَرّ فلان يَفِر فِرارًا إذا هَرَب، انظر "تهذيب اللغة" (فر) 15/ 172، وفي الحديث عنه -ﷺ- قال لِعديّ بن حاتم: "ما يُفِرُّك إلا أن يقال لا إله إلا الله" أفْرَرْتُه أفِرَّه: فَعَلْتُ به ما يَفِر منه ويَهْرُب: أي: ما يحملك على الفرار إلا التوحيد. انظر: "النهاية في غريب الحديث" 3/ 427.]]. فقال: أهم منافقون؟. قال: لا، إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً. قال: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا [[ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" عن الحارث عن علي، انظر 10/ 164 أ، ب. وأيضًا ذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 341، والقرطبي في "الجامع" 16/ 323.]].