الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ
﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ (إذ) يتعلق بمحذوف دل عليه ما قبله وهو العلم، كأنه قيل: يعلم، ما يعمل، ويقول إذ يتلقى الملكان. أخبر أنه عالم بأحواله وما يثبت عليه الملكان فلا يحتاج إلى الملكين ليخبراه، ولكنهما وكِّلا به إلزامًا للحجة وتوكيدًا للأمر عليه. والتلقِّي معناه: التلقن [[التَلَقِّي: هو الاستقبال ومنه: فلان يتلقى فلانًا، أي يستقبله، ويأتي بمعنى التلقين، ومنه: الرجل يلقي الكلام، أي يُلقنه. "اللسان" 3/ 388 (لقا).]] والأخذ. ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 37] [[عند تفسيره لآية (37) من سورة البقرة، ومما قال: والتلقي في اللغة معناه الاستقبال .. ومنه الحديث: أنه نهى عن تلقي الركبان. قالوا معناه الاستقبال. وتفسير التلقي بالتلقن جائز صحيح وليس من لفظه.]] ومفعول التلقي محذوف وتقديره: يتلقى المتلقيان ألفاظه وأفعاله. ودل علي هذا قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ الآية. قال مقاتل في هذه الآية: يعني الملكين يتلقيان عمل ابن آدم ومنطقه [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.]]. قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ قعيدا كلِّ إنسان حافظاه، وهما الملكان الموكَّلان به، قال ابن قتيبة: قعيد بمنزلة قاعد. مثل: قدير وقادر، وقد يكون بمنزلة: أكيل وشريب [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 418.]]. فيكون القعيد بمعنى القاعد، وأصل هذا من القعود، ثم صار اسمًا للملازم للإنسان في كل حال من القيام والقعود والمشي والاضطجاع. ولهذا كانت العرب تطلق هذا الاسم تريد به الله تعالى، على معنى أن الله مع العبد بالعلم أينما كان فيقول: قَعْدَكَ الله وقعيدَك الله، بمنزلة نشدتك الله. وأنشد أبو الهيثم فقال: قَعِيدكُمَا الله الذي أنْتُما له ... ألم تَسْمَعَا بالبيضَتَيْن المُنَادِيَا [[البيت للفرزدق، والبيضتان ماء لبني يربوع وماء لبني دارم. انظر: "ديوان الفرزدق" 2/ 360، "اللسان" 1/ 298 (بيض) 3/ 129 (قعد)، "همع الهوامع" 4/ 262.]] قال: ومعنى قعيدك الله: أي أينما قعدت فأنت مقاعد لله، أي: هو معك، ومن هذا قول المتمم: قَعِيدَكِ ألَّا تُسْمِعِيني مَلامَةً ... ولا تَنْكِئي قَرْحَ الفُؤادِ قبيحا [[ورد البيت منسوبًا في "المفضليات" ص 269، "الإيضاح في شرح المفصل" 1/ 237، "تهذيب اللغة" 1/ 199، "اللسان" 3/ 129، (قعد)، "الخزانة" 2/ 20، وكل المصادر روته (فييجعا) بدل (قبيحًا).]] قال أبو إسحاق: المعنى عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد. فدل أحدهما على الآخر، فحذف المدلول عليه، وأنشد [[البيت لقيس بن الخطيم والد ثابت بن قيس الصحابي الجليل، وينسب إلى عمرو بن امرئ القيس الخزرجي. انظر: "ديوان قيس" ص 239، "الكتاب" 1/ 75، "المقتضب" 3/ 112، 4/ 73، "الأمالي" ابن الشجري 2/ 20، "الإنصاف" ص 95.]]: نَحْن بما عِنْدَنا وأنْتَ بما ... عِنْدَك رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ أي: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ. ومثله أيضًا: رَمَاني بأَمْرٍ كنتُ منه ووالِدِي ... بريئًا ومن أجْلِ الطّوى رَمَانِي [[البيت لعمرو بن أحمر أو لطرفة الفراصي. انظر: "الكتاب" 1/ 75، "همع الهوامع" 2/ 84، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 678، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 258، ونسبه أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 161 للأَزرق الباهلي. والمراد بالطوي البئر التي كان بينة وبين خصمه خلاف عليها.]] قال: المعنى كنت بريئًا وكان والدي منه بريئًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 44.]]. ونحو هذا قال الفراء، وأنشد للفرزدق [[في (أ): (الفرزدق) والصواب ما أثبته. سبق ترجمته في سورة النساء.]]: إني ضَمِنْت لمن أتانِي ما جَنَى ... وأبي فكان وكُنْتُ غَيْرَ غَدُورِ [[ورد البيت في "الكتاب" 1/ 38، "الإنصاف" ص 95، "معاني القرآن" للفراء 3/ 77، "المذكر والمؤنث" ص 677، "الإيضاح في شرح المفصل"1/ 168، وليس في "ديوان الفرزدق". والشاهد فيه: "غدور" ولم يقل: "غدورين".]] وقال المبرد: فعيل يكون للواحد والجميع، وأنشد هو وأبو عبيدة: يا عاذلاتي لا تطلن ملامتي ... إن العواذل لسن [[أي: (ليس).]] لي بأمير [[قال البغدادي في شرح أبيات "مغني اللبيب" 4/ 483: والبيت مشهور بتداول العلماء إياه في مصنفاتهم، ولم أقف على قائله اهـ. ونسب في بعض المصادر ليزيد ابن الصعق. انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 244، "اللسان" 2/ 658 (ظهر)، "الخصائص" 3/ 171 ، "معاني القرآن" للأخفش 2/ 643، وقوله: (بأمير) أي لسن لي بأمراء.]] وقال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4]. وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69] [[ومما قال عند تفسيره لآية: قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب بها العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلاً. وقال بعضهم: حسن كل واحد منهما رفيقًا]]. والمراد بالقعيد هاهنا: الملازم الذي لا يبرح، لا القاعد الذي هو ضد القائم، قال مجاهد: عن اليمين كاتب الحسنات، وعن الشمال كاتب السيئات [[انظر: "جامع البيان" 26/ 99، "الوسيط" 4/ 165.]].