الباحث القرآني

قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ
قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ اختلفوا في المراد بالقرين هاهنا فقال ابن عباس في رواية عطاء: يعني قرينه من الشياطين [[انظر: "جامع البيان" 26/ 104، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 226.]]. وقال مقاتل: ﴿قَرِينُهُ﴾ هو شيطانه [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]]. واختاره ابن قتيبة [[انظر: "تأويل المشكل" ص 422.]]. وعلى هذا القول معنى الآية هو: أن شيطانه يعتذر إلى ربه يقول: لم يكن لي قوة بأن أقوله بغير سلطانك ﴿وَلَكِنْ كَانَ﴾ في الدنيا (في ضَلَالٍ بَعِيدٍ) طويل. ذكره مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]]. ومعنى ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ ما أَضللته وأغويته. أي لم أتول ذلك من نفسي ولكنه كان في ضلال عن الحق بخذلانك إياه، كأنه يقول: لم أكن سبب طغيانه [[انظر: "الوسيط" 4/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 224.]]. وقال الكلبي: يقول الملك: ربنا ما أطغيته [[لم أجده.]]، وعلى هذا القول المراد بالقرين الملك. وهو قول سعيد بن جبير. قال: يقول الكافر: رب إن الملك زاد عليّ في الكتابة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 224، "الجامع" للقرطبي 17/ 17، "فتح القدير" 5/ 77. وهو مروي عن ابن عباس، ومقاتل. انظر: "تنوير المقباس" 5/ 259، "الكشف والبيان" 11/ 181 ب، "معالم التنزيل" 4/ 224]]. واختار الفراء هذا القول فقال: إن الكافر يقول: يا رب إنه كان يعجلني عن التوبة، فيقول الملك: ربنا ما أطغيته [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 76.]] أي: ما أعجلته عن التوبة وما زدت عليه. والمعنى: لم أكن سبب طغيانه بالإعجال والزيادة عليه، ولكن كان في ضلال بعيد لا يرجع إلى الحق ولا إلى التوبة. فيقول الله تعالى: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قال ابن قتيبة: وذكر الله اختصامهم في سورة الصافات وهو قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ في الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: 33] [[من آية (27 - 33) من سورة الصافات. وانظر: "تأويل المشكل" ص 423.]] وهذا يدل على أن المراد بالقرين الشيطان قوله تعالى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ يعني ما ذكر من الوعيد بالعذاب لمن عصى الرسل. قال مقاتل: يقول قد أخبرتكم في الدنيا بعذابي في الآخرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ.]]. وقدَّم هاهنا إن كان واقعًا فالباء في ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ زائدة مؤكدة، وإن كان لازمًا بمعنى يقدم كما ذكرنا في قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: 1] [[قال: قدم هاهنا بمعنى تقدم. وهو لازم لا يقتضي مفعولاً .. قال الفراء: يقال: قدمت في أمر كذا وكذا وتقدمت. وقال الأزهري: ويقال: قدم ويقدم وتقدم يتقدم وأقدم يقدم واستقدم يستقدم بمعنى واحد.]] فالباء للتعدية [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 126، "فتح القدير" 5/ 77، "روح المعاني" 26/ 186.]]. ثم ذكر أنه لا تبديل لقوله ولا خلف لوعده فقال: