الباحث القرآني

یَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِیدࣲ
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ قال أبو إسحاق: نصب ﴿يَوْمَ﴾ على وجهين: على معنى: ما يبدل القول لديّ في ذلك اليوم. وعلى معنى: أنذرهم يوم نقول، كما قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [[من آية (39) من سورة مريم. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 46.]]. وقرأ نافع: (يقول) بالياء على معنى: يقول الله. وقراءة العامة [[قرأ نافع وأبو بكر (يقول) بالياء. وقرأ الباقون (نقول) بالنون. انظر: "حجة القراءات" ص 678، "النشر" 2/ 376، "الإتحاف" ص 398.]] أشبه بما قبله من قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ والنون في المعنى مثل: أقول، فهو أشبه بما قبله [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 213.]]. وقوله: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ قال جماعة علماء التأويل [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 238، "جامع البيان" 26/ 105، "القرطبي" 17/ 18.]]: الله تعالى عالم هل امتلأت أم لا، وسؤالها عن امتلائها توبيخ لمن أُدْخِلها، ودلالة على صدق قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أراها الله تعالى تصديق قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ فلما امتلأت قال لها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾، قال أبو إسحاق: ووجه مخاطبتها جعل فيها ما به يتميز وتخاطب، كما جعل في النملة التي قالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18] [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 47. والمؤلف رحمه الله تصرف في عبارة الزجاج، ونصها: ووجه مخاطبتها أن الله -عَزَّ وَجَلَّ- جعل فيها ..]]. قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد هل فيّ من سَعَة. وقد ضاقت بأهلها [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 259، من طريق الكلبي، "تفسير مقاتل" 125 أ، "معالم التنزيل" 4/ 224.]]. وقال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح: وَعَدَهَا الله ليملأنها فقال: وفيتك. فقالت: فهل فيّ من مسلك [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 612، "جامع البيان" 26/ 105.]]. وقال في رواية ابن أبي مريم: لا يزال يقذف فيها حتى تقول: قد امتلأت، فهل فيّ من مزيد [[انظر: "الدر المنثور" 6/ 107، ونسب إخراجه لسعيد بن منصور وابن المنذر.]]. وروى مقاتل بن سليمان قال: فتنتفض فتقول: قد امتلأت وليس فيّ مزيد. تقول: ليس فيّ سَعَة [[انظر: "تفسير مقاتل" 125 أ، "الكشف والبيان" 11/ 181 ب.]]. وعلى هذا معنى الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ الإنكار [[قلت: قول المؤلف رحمه الله: ومعنى الاستفهام الإنكار هو من كلام شيخه الثعلبي، ولا يليق بهذا المقام على القراءتين إذ لا يتصور إنكار من مخلوق على الله تعالى وبخاصة في يوم القيامة، بل الاستفهام فيه من الضعف والاستصغار أمام عظمة الله تعالى ما يرد وصفه بالإنكار والله أعلم.]]. أي قد امتلأت ولم يبق فيّ موضع لم يمتلئ. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح [[باذام أو باذان مولى أم هانئ. وثقه بعض أهل العلم، وتكلم فيه بعضهم، واختار الشيخ أحمد شاكر توثيقه، وقال ابن معين: إذا روى عنه الكلبي فليس بشيء، == وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس. انظر: "تهذيب الكمال" 1/ 137، "الجرح والتعديل" 1/ 432، "مسند الإمام أحمد" بتحقيق شاكر 3/ 323، "تهذيب التهذيب" 1/ 416، "ميزان الاعتدال" 1/ 296.]]: معنى قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ مسألة للزيادة [[انظر: "جامع البيان" 26/ 106، "الكشف والبيان" 11/ 181 ب، "الوسيط" 4/ 168. قلت: والقول بأن قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ معنى: هل بقي شيء تزيدوني، هو الظاهر من السياق وعليه تدل الأحاديث الصحيحة. انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: وتقول هل من مزيد، 6/ 173، "صحيح مسلم"، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب: النار يدخله الجبارون 4/ 2186، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 238، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 226.]]، كأنها تستزيد إلى ما فيها. ولهذه الاستزادة مع قول: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وجوه: أحدها: أن هذا السؤال كان قبل دخول جميع أهل النار فيها [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 181 ب، "الوسيط" 4/ 168، "معالم التنزيل" 4/ 224]] والآخر: إنَّما طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها بأهلها [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 174، "فتح القدير" 5/ 77.]]. وقال أبو إسحاق: إنها تقول: هل من مزيد تغيظًا على من فيها، يعني أن طلب الزيادة حنقًا على أهلها، تقول: هل بقي أحد لم أنتقم لك منه، فالزيادة [[(ك): (فازادة).]] ليس أنها لم تمتلئ فطلب الزيادة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 47.]].