الباحث القرآني

بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ
ثم استأنف فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ [ق: 5] أي: بالقرآن ومحمد -ﷺ-. قاله المفسرون [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 153، "روح المعاني" 26/ 174، وقال القرطبي في "جامعه" 17/ 4 أي بالقرآن في قول الجميع.]]. ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ قال أبو عبيدة والمبرد: مختلط [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 222.]]. يقال للشيء المُخلّى، قد اختلط بعضه ببعض: مريج، ومنه قوله -ﷺ-: "قد مرجت عهودهم وأماناتهم، وصاروا هكذا وشبك بين أصابعه، [[انظر: جزء من حديث صحيح رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 162، 212، وابن ماجه في "سننه" كتاب: الفتن، باب: التثبت في الفتنة 2/ 1307، وأبو داود في كتاب: الملاحم 4/ 513، وانظر: "المسند" بتحقيق أحمد شاكر 11/ 7047، 7062، "صحيح سنن ماجه" للألباني 2/ 354.]]. ذكره المبرد [[لم أجده في مؤلفات المبرد المطبوعة، ولعله نُقل من كتاب "إعراب القرآن" للمبرد، وهو من الكتب التي لم يصل إلينا سوى اسمها. انظر: "منهج ابن حيان النحوي الأندلسي" في كتابه: "ارتشاف الضرب من لسان العرب" تحقيق مزيد إسماعيل نعيم. رسالة في مكتبة الرسائل الجامعية بجامعة الإمام بالرياض.]]. وأصله على هذا من قوله: مرج الشيء، إذا أرسله وخلاه، ومرج دابتَه، خلاها، ومنه قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: 19]، والمريج المهمل والمهمل يختلط، فسمي المختلط مريجًا. وأنشد أبو عبيدة قول الهذلي [[عمرو بن الداخل الهذلي، أصله من بني سهم بن معاوية، له قصيدة جيمية ومنها هذا البيت. انظر: "ديوان الأدب" 3/ 89، "تاريخ التراث العربي" 2/ 261، "الأمالي" 1/ 264.]] فقال: فجالَتْ والتَمَسَتْ به حَشَاها ... فَخَرَّ كأنَّهُ خُوطٌ مَرِيجُ [[البيت ورد منسوبًا في "ديوان الهذليين" 3/ 103، "تهذيب اللغة" التحقيق 11/ 72، "اللسان" 3/ 461 (مرج). وعند أبي عبيدة نسبه لأبي ذؤيب الهذلي، ولم أجده في "ديوانه". انظر: "مجاز القرآن" 2/ 222، ومعناه أن البقرة راغت عن السهم فأصاب حشوة الجوف وكأن السهم غصن طرح وترك عندما سقط.]] أي غصنٌ قد أرسل من الشجر بأن قطع منه فسقط. وعلى هذا المعنى يدور كلام المفسرين، فإنهم قالوا في تفسير المريج: المختلف والملتبس والمختلط. والاختلاط يؤدي إلى الالتباس. وهذا الذي ذكرنا قول ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، والضحاك، وقد قال عطاء عن ابن عباس: يريد مختلط مثل البهائم الممرجة [[وممن قال به أيضًا: قتادة، وابن زيد، وابن جبير. وقال ابن جرير: "وقد اختلفت عبارات أهل التأويل في تأويلها، وإن كانت متقاربات المعاني". "جامع البيان" 26/ 94. وانظر: "تفسير مقاتل" 124 أ، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 236، "الجاح لأحكام القرآن" 17/ 4 - 5.]]. وقيل في قول الهذلي: (خوط مريج) إنه الذي اختلط شعبه والتبس بعضه ببعض [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 72 (مرج).]]. وقال قوم: أصل هذا من المرج وهو القلق والاضطراب. يقال: مرج الخاتمُ في يدي، ومرج العهود اضطرابها، ومنه قول الشاعر: مَرجَ الدِّينُ فأعددتُ له ... مُشْرِفَ الحَارِكِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ [[البيت لأبي دؤاد كما في "ديوانه" ص 304، "اللسان" 3/ 461 (مرج)، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 5 والحارِكُ: أعلى الكاهل. وقيل: الحارك من الفرس فروع الكتفين. والكتد: مجتمع الكتفين من الإنسان والفرس. "اللسان" 3/ 218 (كتد) 1/ 615 (حرك).]] أي: اضطرب والتبس. وعلى هذا: المريج المضطرب غير المستقر [[انظر: "اللسان" 3/ 461، "المفردات" 465 (مرج).]]. وعلى هذا الأصل قول من قال من المفسرين في المريج: الفاسد والمتغير. قال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 163، "معالم التنزيل" 4/ 221.]]. قال أبو إسحاق: هو أنهم كانوا يقولون للنبي -ﷺ- مرة شاعر، ومرة ساحر، ومرة معلَّم. وللقرآن إنه سحر، ومرة يقولون مفترى. وهذا دليل أن أمرهم ملتبس مختلط عليهم. ثم دلهم -عز وجل- على قدرته على بعثهم بعد الموت بعظيم خلقه الذي يدل على [[(ك): (عليه على).]] قدرته على البعث [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 42.]] فقال قوله تعالى: