الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ
ثم ذكر إحسانهم فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ والهجع معناه النوم بالليل دون النهار، ومنه يقال: لقيته بعد هجعة. أي بعد نومه من الليل [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 129، "اللسان" 3/ 774 (هجع).]]. وكثر الاختلاف في تقدير هذه الآية. وتفسيرها أن (ما) صلة والمعني كانوا يهجعون قليلاً من الليل. أي: لا ينامون بالليل كله ولا كثيره، بل يصلون أكثر الليل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 84، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 53.]]. وعلى هذا التأويل قال عطاء [[في (ك): (وعلى هذا التأويل قال عطاء) مكررة.]]: ذاك إذا أمروا بقيام الليل، فكان أبو ذر يأخذ العصا ويعتمد عليها حتى نزلت الرخصة [[انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة 2/ 238، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 36، "الدر" 6/ 113، ونسب تخريجه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن نصر.]]. ويجوز على هذا التأويل معنى آخر، وهو أن يكون الليل اسم الجنس، والمعنى الذي ينامون فيه قليلاً. وهو معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: كانوا قل ليلة تمر بهم الأصلوا فيها [[انظر: "جامع البيان" 26/ 122، "الوسيط" 4/ 175، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 233، "المستدرك" 2/ 467 وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.]]. وقال مطرف بن الشِّخِّير: قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 243، "جامع البيان" 26/ 122، "المصنف" 2/ 238، "معالم التنزيل" 4/ 23.]]. وقال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 617، "جامع البيان" 26/ 122، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 233، "المصنف" 13/ 568.]]. ووجه آخر وهو الوقف علي قوله: (قَلِيلاً) ثم ابتدأ فقال: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ وهذا على نفي النوم عنهم البتة. وهو قول مقاتل والضحاك قالا: كانوا قليلاً [[انظر: "جامع البيان" 26/ 123، "المصنف" 2/ 239، "الوسيط" 4/ 175، "التفسير الكبير" 28/ 202، وفي "تفسير مقاتل" 126 ب قال بقلة نومهم، والله أعلم. وهذا القول رده بعض العلماء لما فيه من تفكيك للنظم، وتقدم معمول العامل المنفي بـ (ما) على عامله لا يجوز عند البصريين. انظر: "الكشاف" 4/ 28، "البحر المحيط" 8/ 135، "فتح القدير" 5/ 84.]]. وعلى هذا القول عطاء عن ابن عباس: المراد بهؤلاء القليل ثمانون من نصارى نجران والشام. آمنوا بمحمد -ﷺ- وصدقوه فذكرهم الله في غير موضع من القرآن [[انظر: "الوسيط" 4/ 175.]]. وذكر وجهان آخران. أحدهما: أن ﴿مَا﴾ في هذه الآية ما المصدر، ويكون التقدير: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم. وهذا الوجه ذكره أبو إسحاق والفراء، وكذلك الوجه الأول [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 84، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 53.]]. واختاره يعقوب ووقف على قوله: ﴿قَلِيلًا﴾ [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 36، وما ذكره القرطبي هو نقل يعقوب له لا اختياره. ثم قال: قال ابن الأنباري: وهذا فاسد؛ لأن الآية إنما تدل على قلة نومهم، لا على قلة عددهم. قلت: مراد المؤلف - رحمه الله أن يعقوب اختار == الوجه الأول وهو المتقدم على هذا الوجه، حيث قال: ووجه آخر وهو الوقف على قوله ﴿قَلِيلًا﴾. وانظر "القطع والائتناف" ص680 - 681.]]. والآخر: أن (ما) بمعني الذي والتقدير: كانوا قليلاً من الليل الذي يهجعون. وهذا قول الكلبي. قال: كانوا قليلاً من الليل الذي يناموا [[انظر: "جامع البيان" 26/ 123، واختار ابن جرير حيث قال: لأن الله تبارك وتعالى وصفهم بذلك مدحًا لهم وأثني عليهم به، فوصفهم بكثرة العمل وسهر الليل ومكابدته فيما يقربهم منه ويرضيه عنهم، أولي وأشبه من وصفهم من قلة العمل وكثرة النوم، مع أن الذي اخترنا في ذلك هو أغلب المعاني على ظاهر التنزيل.]] ويجوز في هذا التأويل الوجهان اللذان ذكرنا في التأويل الأول، بأن يجعل الذي يهجعون بعض الليلة الواحدة، وبعض الليالي فيجعل الليل اسم الجنس. واختار المبرد أن تكون (ما) صلة. وقال: لو كان (ما) للمصدر أو بمعنى الذي، لكان ما قبلها مرفوعًا فيكون: قليل هجوعهم، أو قليل الذي يهجعون [[لم أقف عليه.]].