الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا
قوله تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. قال الكلي ومقاتل: يعني الملائكة جبريل وميكائل وإسرافيل وملك الموت، يقسمون الأمر بين خلقه في الأرض، وهم المدبرات أمراً. قال المبرد: يفرقون في الناس ما أمرهم الله به [[انظر: "تفسير مقاتل" 126 أ، "معاني القرآن" للفراء 3/ 82، "القرطبي" 17/ 3.]]. وقال الفراء: جبريل صاحب الغلظة، وميكائل صاحب الرحمة، وملك الموت يأتي بالموت [[(ك): (بالرحمة) وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 82 ..]]. هؤلاء سموا هذه الأربعة من الملائكة في تفسير المقسمات. وغيرهم ذكروا الملائكة على العموم والإطلاق. قالوا في: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ إنهم الملائكة وهذا أولى من تخصيص الأربعة لقوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ﴾ ومعناه: فالجماعات المقسمات، يعني جماعات الملائكة الذين وكلوا بالأمور يقسمونها على ما أمروا به. وتفسير هذه الآيات على ما ذكرنا مروي عن أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وتبعه المفسرون في ذلك فقالوا بقوله [[وهو المروى عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 615، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 241، "جامع البيان" 26/ 116 - 117 ، "المستدرك" 2/ 467 عن علي بن أبي طالب. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.]]. وانتصب ﴿يُسْرًا﴾ على تقدير: فالجاريات جريًا يسرًا، فهو نعت مصدر محذوف، وانتصب: ﴿أَمْرًا﴾ في قوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ بالمقسمات، أي يقسمون أمراً أمروا به [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 229، "مشكل إعراب القرآن" 2/ 686.]]. ويجوز أن يكون المدعي: فالمقسمات بالأمر. أي بأمر الله تعالى أمروا بذلك أمرًا. وأما معني القَسْم بهذه الأشياء، إن قلنا إنه على إضمار الرب كما ذكره الزجاج فهو ظاهر، وإن قلنا إنه أقسم بهذه الأشياء، فوجه ذلك أنه إنما أقسم بالرياح لما فيها من عظيم العبر في هبوبها تارة وسكونها تارة، وما فيها من الحاجة في تنشئة السحاب وتذرية الطعام، واختلافها في العصوف واللين، فهي تقتضي مصرفًا لها، ومسكنًا، ومحركاً، وأقسم بالسحاب لما فيه من الآيات، وهو أنه ينبئ عن مُحَمل حمله الماء وأمسكه من غير عماد وأغاث بمطره العباد، وأحيا البلاد، وصرفه في وقت الغنى عنه بما لو دام لصار الناس إلى الهلال، ولو انقطع أصلاً لأضرّ بهم جميعًا، وأقسم بالسفن لما فيه من الدلائل بتسخير البحر لجريانها، وتقدير الريح لها بما لو زاد لغرق وما في هداية النفوس إلى صنعتها، وما في عظم النفع فيما ينتقل من بلد إلى بلد بها، وأقسم بالملائكة لما فيه من اللطيفة وعظم الفائدة وجلالة المنزلة بتقسيم الأمور بأمر ربها. وقد دل بهذه الأشياء على توحيده في قوله: ﴿الْفُلْكَ تَجْرِي في الْبَحْرِ﴾ الآية [البقرة: 164].