الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ تعلقت القدرية بهذه الآية وقالوا: دلت الآية على أن الله تعالى خلق كل مكلف لعبادته وأراد منهم العبادة. ولا حجة لهم في هذه الآية إذا تدبرت قول العلماء فيها ومذاهبهم في تفسيرها [[انظر: "جامع البيان" 27/ 8، "دقائق التفسير" لابن تيمية 4/ 527، "فتح القدير" 5/ 92.]]. والآية فيها مذاهب للمفسرين. أحدهما: التخصيص، وهو أن المراد بالجن والإنس مؤمنو الفريقين. وهو قول الكلبي، والضحاك، والفراء، وعبد الله بن مسلم. قال الكلبي: هذا خاص لأهل طاعته. يعني: ما خلقت مؤمني الجن والإنس إلا ليعبدون [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 190 ب، "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235.]]. وقال الضحاك: هذا خاص في أهل عبادة الله وطاعته. يدل عليه قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: 179] والذين ذرأهم للنار لا يكونون ممن ذرأهم لعبادته. وهذه الآية التي نحن فيها مطلقة، وآية الذرء مقيدة، والمطلق يحمل على المقيد، وإذا جمعنا بين الآيتين علمنا أن الذين خلقوا للعبادة غير أولئك [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 55، "فتح القدير" 5/ 92.]]. وقال الفراء: هذه الآية خاصة. يقول: وما خلقت أهل السعادة من الفريقين إلا ليوحدوني ... [[في (ك): بياض. وتمام العبارة في "معاني القرآن" 3/ 89، (وقال بعضهم: خلقهم ليفعلوا ففعل بعضهم وترك بعض وليس فيه).]] لأهل القدر حجة وقد فُسِّر. وقال عبد الله بن مسلم: يعني المؤمنين [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 422.]]. واحتج [[كذا في (ك). ولعل في العبارة سقطاً، حيث لم يذكر من قال بهذا القول وهو القول الثاني، وقد فسروا قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي لأدعوهم إلى عبادتي.]] هؤلاء لمذهبهم بقراءة ابن عباس ... [[(ك): كلمة لم تظهر ولعلها (وما خلقت).]] (الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون) [[وبها قرأ ابن مسعود، وأبى. انظر: "الكشف والبيان" 11/ 191 أ، "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 55، "روح المعاني" 27/ 22.]] معناه: إلا لآمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها. وهو قول أمير المؤمنين [[في (ك): كلمة لم تقرأ وهي (علي) وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 55.]] ... -رضي الله عنه-، ومقاتل، واختيار الزجاج. قال مقاتل: يعني إلا لآمرهم بالعبادة، ولو أنهم خلقوا للعبادة ما عصو ..... [[في (ك): كلمة لم تقرأ وهي (طرفة عين) انظر: "تفسير مقاتل" 127 ب.]]. وقال الزجاج: المعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لأدعوهم إلى عبادتي [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 58.]]. هذا كلامهم وتفسيرهم. قالوا .... [[في (ك): الكلمة غير واضحة، لعلها (وتفسير).]] العبادة غير الدعاء إليها والأمر بها، والله تعالى قال: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وأنتم تقولون إلا لآمرهم بذلك. قيل: قد يقال ... [[كذا في (ك). والعبارة مستقيمة ولعل الكلمة الساقطة (مثل).]] هذا إذا لم يشتبه ودلت الحال عليه، ما تقول لإنسان أكرمته وأحسنت إليه لتأمره يصنع لك شيئًا: ما أكرمتك إلا لتصنع هذا. وأنت تريد: إلا لآمرك بذلك. وأكثرة من لا يعبد الله من الكفار يدل على أنه لم يخلقهم لعبادته [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 143، "روح المعاني" 27/ 20 - 21.]]. واختار صاحب النظم هذا المذهب، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا﴾ [الزخرف: 12، 13] [[ورجح الشنقيطي في تفسيره 7/ 673 هذا القول لدلالة آيات القرآن عليه.]]. قال: معناه: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروه، ولو كان على ظاهره لوجب أن يكون ذلك عامًا في الإتيان به. المذهب الثالث: أن المفسرين قالوا في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليوحدوني، والمؤمنون يوحدون الله تعالى طوعًا في الشدة والرخاء، الكفار يوحدونه في الشدة والبلاء وعند العباس. وهذا معنى رواية حبان عن الكلبي [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 192 أ، "معالم التنزيل" 4/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 56.]] هذا جملة أقوال المفسرين. وأما أهل المعاني فلهم أيضًا أقوال سديدة في معنى الآية: أحدها: أن المعنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليخضعوا لي ويتذللوا. وهذا معنى العبادة في اللغة، وكل أحد من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، فهو خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته، خَلَقه على ما أراد، ورزقه كما قضى، لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه، فقد حصل هذا الخضوع والتذلل من كل أحد [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 191 ب، 192 أ، "الوسيط" 4/ 181، "معالم التنزيل" 4/ 235، "فتح القدير" 5/ 92. وهو اختيار ابن جرير أيضًا "جامع البيان" 27/ 8.]]. القول الثاني: أن معنى الخلق في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ﴾ خلق التكليف والاختيار، لا خلق الجبلة والطبيعة [[انظر: "دقائق التفسير" 4/ 529، "فتح القدير" 8/ 600.]]، فمن وفقه وسدده أقام العبادة التي خلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل ما خلق له [[في (ك): (لها).]]. وقد بين النبي -ﷺ- هذا المعنى بقوله: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" [[حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في كتاب: التفسير سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ 6/ 212، كتاب: القدر، باب: جف القلم على علم الله 8/ 153، ومسلم في كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي 4/ 2041. وأخرجه أحمد في "المسند" 1/ 82، 129، انظر: "شرح الطحاوية" 318 وما ذكره المؤلف هنا جزء من الحديث. اقتصر على مكان الشاهد منه.]].