الباحث القرآني

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس: يعني المهاجرين والأنصار والتابعين [[انظر: "الحامع لأحكام القرآن" 17/ 67، "روح المعاني" 27/ 32، وقال (لكن == لا أظن صحته). وقال الشوكاني: وقيل المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار فقط، وظاهر الآية العموم، ولا يوجب تخصيصها بالمهاجرين والأنصار، كونهم السبب في نزولها إن صح ذلك، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. انظر: "فتح القدير" 5/ 98.]]. ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ اختلفوا في أن هذا الإيمان من المؤمنين الذين ذكروا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أم من الذرية؟ فقال قتادة: بإيمان من الذرية [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 247، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 66.]]، والمعنى: واتبعتهم ذريتهم في الإيمان؛ لأن الذرية إذا لم تتبع الأصل بالإيمان لم تجتمع معه في الجنة. وعلى هذا المراد بالذرية الكبار. ويجوز أن يكون المراد بالإيمان إيمان الذين آمنوا [[وهو المروي عن ابن عباس، والضحاك. انظر: "جامع البيان" 17/ 15، "معالم التنزيل" 4/ 239.]]. والمعنى: وأتبعهم بإيمان من الآباء ذريتهم، والذرية تتبع الآباء وإن كانت صغارًا في كثير من أحكام الإيمان وهو الميراث، والدفن في مقابر المسلمين، وحكمهم حكم الآباء في أحكامهم، إلا فيما كان موضوعًا عن الصغير لصغره. وعلى هذا القول، المراد بالذرية: الصغار. قال أبو علي: فإن جعلت الذرية للكبار [[في (ك): (فإذا حملت الذرية الكبار) والصواب ما أثبته.]] كان قوله: ﴿بِإِيمَانٍ﴾ حالاً من الفاعلين الذين هم ذريتهم [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 255.]]. وكلا القولين مروي عن ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 27/ 15، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 66.]]. والوجه أن تحمل الذرية على ما بينَّا. وعلى هذه الجملة يدل كلام المفسرين [[انظر "الكشف البيان" 11/ 196 ب، "الوسيط" 4/ 16، "معالم التنزيل" 4/ 239.]]. والذرية تقع على الصغير والكبير، والواحد والكثير [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 3 (ذرأ).]]. فمن وقوعها على الصغير الواحد قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: 38] ومن وقوعها على الكبار البالغين قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: 84]. ومن وقوعها على الكبير قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم: 58]. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: "إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه" ثم قرأ هذه الآية [[أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 247 موقوفًا على ابن عباس، والحاكم في مستدركه، كتاب: التفسير، سورة الطور 2/ 468، والبزار عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ- وفيه قيس بن الربيع. وثقه شعبة والثوري وفيه ضعف. انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 114، وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" 27/ 15، "البحر المحيط" 8/ 148، وانظر: "تخريجات الكشاف" ص160، "الصواعق المرسلة" 1/ 391 - 392، "التفسير القيم" ص 449. وبه قال الجمهور.]]. وقال عبد الله في هذه الآية: الرجل يكون له القِدم وتكون له الذرية فيدخل الجنة فيرفعون إليه لتقر بهم عينه وإن لم يبلغوا ذلك [[انظر: "التفسير القيم" ص 451.]]. وقال أبو مجلز: يجمعهم الله له ما كان يحب أن يُجْمعوا له في الدنيا [[انظر: "الدر" 6/ 119، ونسب إخراجه لابن المنذر.]]. وقال الشعبي: أدخل الله الذرية بعمل الآباء الجنة [[انظر: "حامع البيان" 27/ 16.]]. وقال الكلبي عن ابن عباس: إن كان الآباء أرفع درجة من الأبناء رفع الله الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء أرفع درجة من الآباء رفع الله الآباء إلى الأبناء. وهذا القول اختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 92، "القرطبي" 17/ 6، "التفسير القيم" ص 451.]]. والآباء على هذا القول داخلون في اسم الذرية. وذكرنا جواز ذلك عند قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [[عند تفسيره لآية (41) من سورة يس. ومما قال: قال ثعلب: الذرية تقع على الآباء. وقال الفراء: جعل الذرية التي كانت مع نوح لأهل مكة لأنها أصل لهم، وقال الزجاج: قيل لأهل مكة (حملنا ذريتهم) لأن من حمل مع نوح فهم أباؤهم وذرياتهم. فهذه الأقوال تدل على أن الآباء يجوز أن تسمى ذرية الأبناء. وقد كشف صاحب النظم عن هذا فقال: جعل الله الآباء ذرية للأبناء. وجاز ذلك لأن الذرية مأخوذة من ذرأ الله الخلق فسمى الولد ذرية لأنه ذري من الأب فكما جاز أن يقال للولد ذرية لأبيه لأنه ذري منه كذلك يجوز أن يقال للأب ذرية للابن ابنه ذري منه.]] عني بالذرية الآباء. والأكثرون على القول الأول. وهو أن الأبناء يلحقون بدرجة الآباء. قال إبراهيم: أعطوا مثل أجور آبائهم ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 16، "الدر" 6/ 119، وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر وهناد.]]. وهو اختيار الزجاج. قال: تأويل الآية أن الأبناء يلحقون بالآباء إذا كانت مراتب الآباء في الجنة أعلى من مراتبهم، ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئًا [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 65 - 66.]]. وذلك قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ وذكرنا تفسير الألت عند قوله: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [[عند تفسيره للآية (14) من سورة الحجرات، ومما قال: لاتَ اجتمع أربع لغات: أَلَتَ، وآلَتَ، ولاَتَ، وأَلاَتَ. كلها معناها النقصان. قال ابن عباس ومقاتل: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئًا. انظر: "البسيط" 656 بتحقيق السحيباني.]] والقراء على فتح اللام في: (ألتناهم) وهو الأشهر الأعرف. وقرأ ابن كثير بكسر اللام [[انظر: "حجة القراءات السبع" ص 62، "النشر" 2/ 377، "الإتحاف" ص 400.]]. ويشبه أن يكون ذلك لغة، فقد جاءت حروف على فَعِلَ وفَعَلَ، مثل: نَقِمَ يَنْقَمُ، ونَقَم يَنْقِم. وقد رويت هذه القراءة عن يحيى بن يعمر، ومكانه مكانه [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 226.]]. قال ابن عباس: لم تنقص الآباء من الثواب حين ألحقنا بهم ذرياتهم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 284، "جامع البيان" 27/ 17، "الوسيط" 4/ 187.]]. وهذه الآية رد ظاهر على القدرية حين أنكروا أن يعطي الله تعالى ذكره مؤمنًا من فضله ما لا يستحقه بعمله. وتم الكلام عند قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ [[انظر: "القطع والائتناف" ص 66 قال: وهو قول أبي حاتم.]]، ثم ابتدأ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ قال ابن عباس: ارتهن أهل جهنم بأعمالهم [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 68.]]. أي أخذوا وحبسوا في جهنم، ولكن الكلام في نفس الآية يدل على ما ذكر؛ لأن الله وصف منازل أهل الجنة، ثم ذكر أهل النار وأنهم ارتهنوا بعملهم، فدل معنى الكلام على أنهم معذبون، فإن أهل الجنة في نعيمهم. وقال مقاتل: كل امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن في النار [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب، "معالم التنزيل" 4/ 239.]]. ويدل على صحة ما ذكر ما قال الكلبي، وهو أن الله تعالى استثنى المؤمنين في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [[آية (38، 39) من سورة المدثر. ولم أجد القول عن الكلبي أو غيره.]] فدل على أن المراد بقوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ الكافر لا المسلم [[واختيار ابن جرير، والنحاس، وابن كثير، وغيرهم العموم، وأن كل إنسان مرتهن بعمله، فإن قام به على الوجه الذي أمره الله به فكه، وإلا أهلكه. انظر: "جامع البيان" 27/ 17، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 253، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 242، "فتح القدير" 5/ 98.]]. ثم ذكر ما يزيدهم [[في (ك): (ما يزيد) والتصويب من الوسيط.]] من الخير والنعمة فقال: