الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ
﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يتعاطون [[انظر: "تفسير مقاتل" 128 ب، "جامع البيان" 27/ 17.]] والمعنى أن هذا يأخذ من يد هذا وهذا يأخذ من يد هذا كالشيء المتنازع فيه، تنزعه من صاحبك، وصاحبك ينزعه منك. هذا هو الأصل ثم صار التنازع اسمًا للتناول، والمنازعة اسمًا للمناولة [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 141، "اللسان" 3/ 616 (نزع).]] وقال الأعشى: نازَعتُهُمْ قُضُبَ الرّيْحَانِ مُتّكئا ... وَقَهْوَةً مُزّةً رَاوُقُهَا خَضِلُ [[انظر: "ديوان النابغة" ص 147، والقهوة: الخمر، والراووق: إناء الخمر، والخضل: الندي.]] وقال الأخطل: نازَعْتُهمُ طَيِّبَ الرَّاحِ الشَّمُولِ وقد ... صَاحَ الدَّجَاجُ وحاَنتْ وَقْعَةُ السَّاري [[انظر: "ديوان الأخطل" 10/ 198، "مجاز القرآن" 2/ 223، ومعنى (نازعته) ناولته. والشمول: الطيبة الريح.]] وجميع أهل اللغة قالوا في معنى (يتنازعون): يتعاطون. وهو قول أبي عبيدة، والمبرد، والزجاج، وابن قتيبة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 232، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 63 "غريب القرآن" 425.]]. قوله تعالى: ﴿فِيهَا كَأْسًا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل، يعني الخمر [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 284، "تفسير مقاتل" 128 ب.]]. وقد ذكرنا أن الكأس معناه الإناء فيه الشراب، فإذا كان فارغًا فليس بكأس، ولما لم ينفك الكأس عما فيه، جاز أن يسمى ما فيه باسم الكأس [[انظر: "المفردات" 443، "تهذيب اللغة" 10/ 313 (كيس)، "اللسان" 3/ 206 (كأس).]]. قوله تعالى: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يلغون ولا يأثمون [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 284، "جامع البيان" 27/ 17.]]. وعبارات المفسرين مختلفة الألفاظ، فقد قالوا: لا فضول ولا باطل ولا سباب ولا تخاصم فيها [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 624، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 248، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 242.]]. قال أبو إسحاق: أي لا يجري بينهم ما يُلْغَى، ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 63]]. وقال ابن قتيبة: أي: لا يذهب بعقولهم فيلغوا ويرفثوا كما يكون من خمر الدنيا [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 425.]]. فإذا لم يذهب بعقولهم لم يكن منهم ما يؤثم. والتأثيم تفعيل من الإثم. يقال: أثمه، إذا جعله ذا إثم. يعني أن تلك الكأس لا تجعلهم آثمين. والكلام في التنوين وتركه في مثل هذا قد تقدم عند قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [[عند تفسيره لآية (197) من سورة البقرة. وفي قوله ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ قرأ ابن كثيرن وأبو عمرو، ويعقوب: ﴿لَغْوٌ * تَأْثِيمٌ﴾، بالنصب وقرأ الباقون ﴿لَغْوٌ * تَأْثِيمٌ﴾ بالرفع والتنوين. انظر: "حجة القراءات": 683، "النشر" 2/ 211، "الإتحاف" 134. وفي قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ بالرفع والتنوين، وقرأ الباقون بالفتح من غير تنوين. انظر: "البسيط" 1/ 122 أ - ب، الحجة 2/ 286، "النشر" 2/ 211 ، "الإتحاف" ص 135.]]. وقوله: ﴿فِيهَا﴾ من قوله: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾ في موضع رفع بأنه خبر مبتدأ على قول سيبويه؛ لأنه خبر عن قوله: ﴿لَا لَغْوٌ﴾ والتقدير: لا لغو فيها ولا تأثيم فيها، واستغني عن ذكر خبر الثاني لدلالة خبر الأول عليه كقوله: زيد منطلق وعمرو [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 270، 5/ 63، "الحجة للقراء السبعة" 6/ 226.]].