الباحث القرآني

أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَٰذَا ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد التكذيب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 286.]]. يعني أن الله تعالى أشار بقوله: ﴿بِهَذَا﴾ إلى ما ذكر عنهم مما يدل على تكذيبهم. يقول: أم تأمرهم أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد، ويأتيهم على ذلك بالدلائل، وهم يعبدون أحجارًا. قال الفراء: الأحلام في هذا الموضع العقول والألباب [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 93.]]. وكانت عظماء قريش توصف بالأحلام والنهى، وبأنهم أولوا العقول فقال الله تعالى -منكرًا عليهم-: أتأمرهم أحلامهم بهذا. وهذا تهكم وإزراء [[أزرى بالشيء إزراء: تهاون به. انظر: المصباح (زرى).]] بأحلامهم، وأنها لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل [[انظر: "جامع البيان" 27/ 19، "الوسيط" 4/ 189، "معالم التنزيل" 4/ 241.]]، وفيه رد على من يوجب شيئًا بالعقل، وأن الهدى يكتسب بالعقل. وقوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: أم يكفرون طغيانًا، وقد ظهر لهم الحق. وأول الآية إنكار عليهم، وآخرها إيجاب. وهو قوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد حملهم الطغيان على تكذيبك [[انظر: "الوسيط" 4/ 189.]]. ومثل هذه الآية في النظم قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ قال عطاء: افتعله [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 73.]]. وقال الكلبي: تكذّبه من تلقاء نفسه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 287، "الوسيط" 4/ 189.]]. وقال مقاتل: اختلق محمد القرآن من تلقاء نفسه [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.]]. والتقوّل: تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب، لأنه تكلف القول من غير حقيقة بمعنى يرجع إلى أجل [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 311، "اللسان" 3/ 1089 (قول) "الجامع لأحكام == القرآن" 17/ 73، "فتح القدير" 5/ 99 وقوله: (بمعنى يرجع إلى أصل) ليست في المراجع السابقة، ولعل معناها إن صحت، أي ليس للتقول وهو الكذب أصل وإنما هو اختلاق وافتراء فقط.]]. قوله تعالى: ﴿بَلْ﴾ أي ليس الأمر على ما زعموا ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالقرآن استكبارًا. ثم ألزمهم الحجة على أنهم كذبوا فيما قالوا بقوله: