الباحث القرآني

أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ
ثم احتج عليهم بابتداء الخلق: قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من غير نطفة ولا طين [[لم أجده عن ابن عباس، والذي ذكره المفسرون عنه قوله: (من غير رب خلقهم وقدرهم). انظر: "معالم التنزيل" 4/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 74.]]. وقال الكلبي: من غير أب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 287، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 74.]]. وقال مقاتل: أكانوا خلقًا من غير شيء هكذا [[انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.]]. والمعنى: أوجدوا كما هم عليه من كمال الخلقة، وخلقوا من غير أن كان لهم ابتداء من التراب، ثم من الأب ثم من النطفة والعلقة. وهذا استفهام إنكاري، أي أنهم خلقوا أطوارًا، وذلك يدل على قادر رددهم وصرّفهم في أحوالهم، ولم يوجدوا ابتداء كما يخلق الجماد ابتداءً من غير تقدم سبب من أب وأم، فلا تقوم عليه الحجة، وهؤلاء خلقوا من أشياء ليستدلوا بذلك فتقوم عليهم الحجة. هذا معنى قول المفسرين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 20، "فتح الباري" 8/ 603، "فتح القدير" 5/ 101.]]. وأهل المعاني جعلوا ﴿مِنْ﴾ بمعنى اللام. قال أبو إسحاق: أم خلقوا لغير شيء. أي أخلقوا باطلاً لا يحاسبون ولا يؤمرون؟! [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 65.]] ونحو هذا قال ابن كيسان: أم خلقوا عبثًا وتركوا سُدى لا يؤمرون ولا ينهون [[انظر: "الوسيط" 4/ 189، "معالم التنزيل" 4/ 241، "القرطبي" 17/ 74.]]. ويدل على هذا المعنى قوله: ﴿أمْ هُمُ الخالِقون﴾ هو أي: أهم الخالقون أنفسهم فلا يأتمرون لأمر الله، ولا ينتهون عما نهى الله عنه؛ لأن هذا من صفة الخالق لا من صفة المخلوق. والمخلوق يجب عليه ائتمار خالقه.