الباحث القرآني

وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ اختلفت الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال في رواية الكلبي: أقسم بالقرآن إذا نزل نجوما على رسول الله -ﷺ- أربع آيات وثلاث آيات، والسورة، وكان بين أوله وآخره عشرون سنة. ونحو هذا روي عن عطاء [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 295، و"الوسيط" 4/ 192، و"معالم التنزيل" 4/ 244.]]، وهو قول مقاتل، والضحاك، ومجاهد في رواية الأعمش عنه، واختيار الفراء [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 94، و"جامع البيان" 27/ 24. قال الشنقيطي: أظهر الأقوال عندي وأقربها للصواب في نظري أن المراد بـ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ هنا في هذه السورة و ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ في الواقعة هو نجوم القرآن التي نزل بها الملك نجمًا فنجمًا، وذلك لأمرين: أحدهما: أن هذا الذي أقسم الله عليه بالنجم إذا هوى أن النبي -ﷺ- على حق، وأنه ما ضل وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى موافق في المعنى لما أقسم عيه بمواقع النجم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾. والثاني: أن كون المقسم به المعبر عنه بالنجوم هو القرآن العظيم، وهو أنسب لقوله بعده: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾. انظر: "أضواء البيان" 7/ 700 - 701.]]. وعلى هذا القول سُمي القرآن نجمًا لتفريقه في النزول، والعرب تسمي التفريق تنجيمًا، والمفرق نجومًا ومنه نجوم الدين ونجوم الكتابة، وتقول: جعلت مالي على فلان نجومًا منجمة يؤدي كل نجم في شهر كذا. وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيتًا لحلول ديونها، فيقول إذا طلع النجم وهو الثريا: حل عليك مالي، وكذلك سائرها، ومن هذا قول زهير في ديات جعلت نجومًا على العاقلة [[العاقلة: قبيلة الرجال، ولا يُحملون من الدية ما لا يطيقونه. "اللسان" 2/ 845 (عقل).]]: يُنَجِّمُهَا قَوْمٌ لِقَوْمٍ غَرَامَةً ... ولَمْ يُهريقُوا بَيْنَهُمْ مِلءَ محْجَم [[انظر: "ديوان زهير" ص 17، و"تهذيب اللغة" 11/ 129، و"اللسان" 3/ 589 (نجم)، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 64. والمِحجم: آلة الحجام، والمعنى أنهما لم يريقوا مقدار ما يملأ محجمًا من الدماء.]] هذا الذي ذكرنا هو الأصل ثم جعل كل تنجيم تفريقًا وإن لم يكن مؤقتًا بطلوع نجم. ويدل على صحة هذا التأويل الذي ذكرنا في الآية قوله -عز وجل-: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: 75]. قال عبد الله: يعني القرآن. فلما ذكر القسم به هاهنا ذكر أيضًا هناك. وقوله: (هَوَى) معناه على هذا القول: نزل. قال الأصمعي: هَوَى يَهْويِ هَوِيًّا إذا سقط من علو إلى أسفل، وقال أبو زيد: هَوت العقاب تَهْوي هَويًّا بالفتح إذا انقضّت على صيد أو غيره. فهذان ذكرا المصدر بفتح الهاء، ونحو ذلك قال ابن الأعرابي، وفرق بين الهَويّ والهُوي، فقال: بالفتح في السريع إلى أسفل والضم في السريع إلى فوق، وأنشد: والَّدلْوُ في إِصْعادِها عَجْلىَ الهُويّ [[لم أجده منسوبًا. وانظر: "الأضداد" لقطرب ص 120، وفيه: (إتراعها) بدل (إصعادها).]] بالضم. وقال الليث: العامة تقول: الهُوِيُّ في مصدر هَوَى يَهوْيِ هُويًّا. وأما الهَويُ فالحين من الزمان، يقال: جلست عنده هَويًّا. هذا كلام أهل اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 488 (هوى)، و"اللسان" 3/ 848 (هوا).]]. وبان أن معنى (هَوَى) سقط كسقوط النجم في مغاربه من الأفق، ولما سمي القرآن نجمًا سمي نزوله هويًا ليتجانس اللفظ. وقال في رواية علي بن أبي طلحة، وعطية: يعني والثريا إذا سقطت وغابت وهو قول مجاهد في رواية ابنه، ومنصور، وابن أبي نجيح عنه [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 627، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 250، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 246. وقال ابن جرير: (والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله مجاهد من أنه عني بالنجم في هذا الموضع الثريا ...) "جامع البيان" 27/ 25.]]. والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة. قال ساجعهم [[(ك): (سابعهم).]]: طَلَعَ النجْمُ غُدَيَّه ... ابتَغَى الرَّاعي شُكَيَّه [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 127، ولم ينسبه لقائل، و"شواهد الكشاف" ص 6، و"التفسير الكبير" 28/ 279، و"البحر المحيط" 8/ 157، وفي "ارتشاف الضرب" 1/ 170: طَلَعَ النجم غدية ... وبع لراعي كُسيَّه وفي "الأضداد" لابن الأنباري 62: إذا الثريا طلعت غديه ... فبع لراعي غنم كسيهْ وفيه: إذا الثريا طلعت عشاء ... فبع لراعي غنم كساءَ= وفي "الأضداد" للأصمعي 30: إذا الثريا طلعت عثسيه ... فبع لراعي غنم كسيه]] وقال أيضًا: طَلَعَ النجْمُ عشيا ... ابتَغَى الراعي شُكَيَّا يعني الثريا. ومنه قول الراعي يصف قدرًا كثيرة الدسم: فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ ... سَرِيعٍ بأَيْدِي الآكِلِينَ جُمُوُدُهَا [[انظر: "ديوان الراعي" ص 194، و"الحماسة" لأبي تمام 2/ 207، و"مجاز القرآن" 2/ 235، و"اللسان" 3/ 590 (نجم). والمستحيرة: هي المتحيرة في امتلائها، أي في مرقها. "اللسان" 1/ 767 (حير).]] يريد: تعد أنجم الثريا. قال ابن دريد: وهي سبعة أنجم ستة منها ظاهرة، وواحد منها خفي، يمتحن الناس به أبصارهم [[انظر: "اللسان" 3/ 589 (نجم)، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 82.]]. وقوله: فباتت تعد النجم، يدل على أن هذا كان في وسط الشتاء حين تحلق الثريا في وسط السماء، وذلك في ليالي الشتاء؛ لأنها لو كانت في أفق لم يكن عدها في القِدْر. وقال في رواية عكرمة: يعني الرجوم من النجوم، وهي ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع [[انظر: "الوسيط" 4/ 192، و"معالم التنزيل" 4/ 244.]]. وهذا القول ظاهر ونحن نشاهد هوي النجم إذا رمى به. وهذا قول الحسن [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 82.]]. وقال أبو حمزة الثمالي: يعني النجوم إذا انتثرت يوم القيامة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 244.]]. هذا الذي ذكرنا أقوال المفسرين. وقال أبو عبيدة: النجم بمعنى النجوم. أقسم بالنجم إذا سقط في المغرب، كأنه يخصص الثريا دون غيرها، واحتج ببيت الراعي، وجعل النجم فيه نجوم السماء عامة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 235، وذكره الشوكاني ونسبه لجماعة المفسرين، ورجحه. "فتح القدير" 5/ 104.]]. وعلى هذا أقسم بالنجم ليدل على ما فيها من العبرة بتصريف من يملك طلوعها وغيوبها، ولا يملكه إلا الله وحده. وقال الأخفش: النجم هاهنا معناه: النبت الذي ليس له ساق، وهوى سقط على الأرض [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 244، "فتح القدير" 5/ 105، شرحه ثم قال: وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ساق له. فلا يظهر للهوي معنى صحيح.]]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6] وسنذكر الكلام في النجم بمعنى النبت إذا انتهينا إلى هذه الآية إن شاء الله. ثم ذكر جواب القسم فقال:
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتئاج.