الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ
قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: أوحى جبريل إلى النبي -ﷺ- ما أوحى الله إليه [[انظر: "الوسيط" 4/ 195، و"معالم التنزيل" 4/ 246.]]. وقال قتادة: يوحي الله إلى جبريل ويوحي جبريل إلى محمد -ﷺ-، هذا قول الحسن، وابن زيد [[انظر: "جامع البيان" 28/ 27، و"الكشف والبيان" 12/ 6 أ، و"الوسيط" 4/ 195، و"معالم التنزيل" 4/ 246.]]، واختيار الفراء، والزجاج، وابن الأنباري [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 95، و"معاني القرآن"، للزجاج 5/ 71.]]. قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ يقال: كذبني فلان بالتخفيف، أي: قال لي الكذب ولم يصدقني، وهذا فعل يتعدى إلى مفعول واحد، يدل عليه قول الأخطل: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أم رَأيتَ بواسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلامِ من الرَّبابِ خَيَالاَ [[انظر: "ديوان الأخطل" 1/ 105، و"الكتاب" 3/ 174، و"الخزانة" 6/ 9، و"مغني اللبيب" ص 45، و"المقتضب" 3/ 295.]] أي أرتك ما لا حقيقة له، كما أنك إذا قلت كذبتني عيني، معناه: رأت ما لا حقيقة له، ومعنى الآية: كانت رؤيته صحيحة غير كاذبة. قال المفسرون: هذا إخبار عن رؤية النبي -ﷺ- ربه ليلة المعراج. قال ابن عباس في رواية عطاء: رأى ربه بقلبه [[أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب قول الله -عز وجل- ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 158، بلفظ (رآه بقلبه). قال ابن حجر: وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء أيضًا عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله -ﷺ- بعينه، إنما رآه بقلبه. "فتح الباري" 8/ 608.]]. وقال في رواية باذان: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ يعني فؤاد رسول الله -ﷺ-، وإنما رأى محمد ربه بفؤاده ولم يره بعينه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 292، و"الدر" 6/ 125، وزاد نسبة تخريجه لابن جرير وعبد بن حميد.]]. وقال في رواية عكرمة: رآه بقلبه [[أخرجه الترمذي في التفسير، سورة النجم، 5/ 369، وقال: هذا حديث حسن، وابن جرير في "جامعه" 27/ 28، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 251.]]. وقال في رواية أبي العالية: رآه بفؤاده [[انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 158 ولفظه: (رآه بفؤاده مرتين)، و"مسند الإمام أحمد" 2/ 223، و"الطبري" 27/ 29.]]، ونحو هذا روي عن أبي ذر [[رواه ابن خزيمة بلفظ: (رآه بقلبه ولم يره بعينه)، و"فتح الباري" 8/ 608.]]، وإبراهيم التيمي. وعلى هذا القول: رأى النبي -ﷺ- ربه بفؤادهِ رؤية صحيحة، وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرًا حتى رأى به رؤية غير كاذبة كما يرى بالعين [[انظر: "شرح النووي على مسلم" 3/ 6، و"معالم التنزيل" 4/ 246، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 92.]]. ومذهب جماعة من المفسرين أنه رآه بعينه، وهو قول أنس [[رواه ابن خزيمة بلفظ: (رأى محمدٌ ربه)، و"فتح الباري" 8/ 608.]]، وعكرمة، والحسن، وكان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253.]]، ونحو ذلك قال الربيع [[صحيح مسلم بشرح النووي 3/ 7 - 6، و"فتح الباري" 8/ 608، وزاد نسبة هذا القول لعروة بن الزبير وكعب الأحبار، والزهري، ومعمر، والأشعري، وغالب أتباعه، وسائر أصحاب ابن عباس، والإمام أحمد.]]. وروى عكرمة أنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد -ﷺ- [[أخرجه الحاكم في "مستدركه"، كتاب التفسير، تفسير سورة النجم 2/ 469 وقال: حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. وانظر: "فتح الباري" 8/ 606.]]. وروى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس أنه قال: أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدًا رأى ربه مرتين [[أخرجه الترمذي في كتاب "التفسير" 5/ 368، من كلام كعب، حيث قال: فقال كعب: وإن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. وابن جرير في "تفسيره" 27/ 31، وذكر عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 252 قول ابن عباس تم قال: فكبر كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال .. وذكر كلام كعب.]]. وكل هؤلاء أثبتوا رؤية صحيحة إما بالعين والبصر، وإما بالفؤاد على ما بينا [[قال ابن كثير رحمه الله: ومن روى عنه -أي: عن ابن عباس- بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة رضي الله عنهم، وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس، والحسن، وعكرمة، فيه نظر والله أعلم. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 250. قلت: وما ذكره ابن كثير -رحمه الله- عن البغوي هو كلام الواحدي، وإنما نقله البغوي عنه. والخلاف في هذه المسألة مشهور، وبقول كلِّ قال أناس من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والنصوص الواردة في هذا الباب لا تؤيد وجهة أحدهما، ولهذا نقل القاضي عياض عن بعض مشايخه التوقف ورجحه القرطبي. انظر: "فتح القدير" 8/ 608، و"روح المعاني" 27/ 53. وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس قول ابن عباس "أنه رآه" مناقضًا لهذا، ولا قوله (رآه بفؤاده) وقد صح عنه أنه قال: (رأيت ربي تبارك وتعالى) ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح. وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: (رأى محمد ربه بفؤاده مرتين) وعائشة أنكرت الرؤيقى فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد ... والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد تارة .. ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الإمام أحمد .. لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين. "مجموع الفتاوى" 6/ 507، 509. قلت: وبهذا الكلام النفيس يتبين اتفاق الصحابة -رضوان الله عليهم- على أنه لم يره بعينه، والله أعلم. وانظر: "زاد المعاد" 3/ 37، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 250 - 251، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 222 - 26، و"تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة" 2/ 835 - 841.]]. قال المبرد: ومعنى الآية أنه رأى شيئًا فصدق فيه [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 289.]]. وقال أبو الهيثم: أي لم يكذب الفؤاد رؤيته و (مَا رَأَى) بمعنى الرؤية. يقال: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم [[في (ك): (أي لم) والصواب ما أثبته.]] ير، بل صدقه الفؤاد رؤيته [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 170، و"اللسان" 3/ 233 (كذب).]]، وعلي هذا (مَا رَأَى) مصدر في موضمع النصب؛ لأنه مفعول كذب. وقرأ ابن عامر (مَا كَذَّبَ) بالتشديد [[قرأ أبو جعفر، وابن عامر في رواية هشام: (ما كَذَب) مشددة، وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكران وبقية العشرة (ما كَذَبَ) مخففة. انظر: "حجة القراءات" ص 65، و"النشر" 2/ 39، و"الإتحاف" ص 402.]]، قال المبرد: ومعناه أنه رأى شيئًا بقلبه. قال: وفي هذه القراءة بعد؛ لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضًا بقلبه، وإذا وقع العلم فلا تكذيب معه، لأن القلب يكذب ويصدق فإذا كان الشيء في القلب معلومًا فكيف يكون معه تكذيب، وهذا على ما قال المبرد إذا جعلت الرؤية للفؤاد، فإن جعلتها للعين زال هذا الإشكال وصح هذا المعنى، فيقال: ما كذب فؤاده ما رآه ببصره [[انظر: "الوسيط" 4/ 195، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 264، قال ابن جرير في معنى قراءة التشديد: إن الفؤاد لم يكذب الذي رأى، ولكنه جعله حقًّا وصدقًا، وقد يحتمل أن يكون معناه إذا قرئ كذلك ما كذب صاحب الفؤاد ما رأى .. لذا هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ بالتخفيف لإجماع الحجة من القراء عليه، والأخرى غير مدفوعة صحتها لصحة معناها. "جامع البيان" 27/ 29. قلت: وإذا أمكن توجيه القراءة وحملها على وجه صحيح فلا مجال لردها، كيف وقد صحت عن رسول الله -ﷺ- وعندها فلا قبول لقول أحد بعد صحتها عن أفصح العرب -ﷺ- مهما بلغت درجته ومنزلته ونسأل الله له المغفرة.]]. وأنكرت عائشة رضي الله عنها رؤية محمد -ﷺ- ربه ليلة المعراج، وكانت تخالف ابن عباس في مذهبه وتذهب بهذه الرؤية إلى رؤية جبريل [[انظر: "سنن الترمذي" كتاب التفسير 5/ 368، عن مسروق، عن عائشة، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 249، وبهذا قال ابن مسعود وأبو ذر، وأبو هريرة.]]. وظاهر الآية مع ابن عباس، وقد قال معمر: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 252.]]. ثم هذا الاختلاف من أدل دليل على أن البارئ جائز الرؤية؛ لأن ما لا تجوز رؤيته لا يختلف في رؤيته، وعائشة أنكرت الرؤية في الدنيا وقبل الموت، واحتجت بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [[قلت: تقدم الكلام على هذه المسألة. وفي قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وفي الأخبار الصحيحة المشهورة ما يثبت وقوعها للمؤمنين في الآخرة، وإذا جازت في الآخرة جازت في الدنيا لتساوي الوقتين بالنسبة إلى المرئي. وقال الإمام مالك: إنما لم يُرَ سبحانه في الدنيا، لأنه باق، والباقي لا يرى بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارًا باقية رأوا الباقي بالباقي. انظر: "فتح الباري" 8/ 607 - 608.]] [الأنعام: 103] الآية.